نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا التزم بوتين الصمت تجاه أطماع ترامب في جرينلاند؟, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 04:41 مساءً
مباشر- سلمى محمد- بينما أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ضرورة الاستحواذ على جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي رد فعل سريع من بكين، التزمت موسكو صمتاً لافتاً ومريباً تجاه هذه الطموحات التوسعية، التي لم يستبعد فيها ترامب استخدام القوة العسكرية. إذ جاء الرد الصيني على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان، الذي رفض يوم الاثنين تبريرات واشنطن بأن الوجود الصيني والروسي المتزايد في القطب الشمالي يستدعي هذه الخطوة. واتهم جيان الولايات المتحدة باستغلال ذريعة "التهديد الصيني" كغطاء لتحقيق مكاسب استراتيجية أنانية.
يمكن أن يُعزى صمت الكرملين إزاء ملف جرينلاند، ولو جزئياً، إلى انشغال البلاد باحتفالات عيد الميلاد الأرثوذكسي الذي يوافق السابع من يناير. ويتزامن هذا الهدوء النسبي مع غياب أي تعليق رسمي حتى الآن من القيادة الروسية على التطور البارز الآخر، المتمثل في اعتقال حليفها الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع الأسبوع المنصرم. ومع ذلك، لم يمنع موسم الأعياد وزارة الخارجية الروسية من إصدار بيان يوم الأربعاء، نددت فيه بما وصفته العدوان الأمريكي في فنزويلا واحتجاز ناقلة نفط روسية في الأطلسي، في حين بقي ملف جرينلاند -المنطقة الدنماركية ذات الحكم الذاتي- خارج دائرة التعليق الرسمي.
تثير هذه الانتقائية تساؤلات، خاصة أن موسكو تمتلك دوافع أقوى من بكين لإبداء قلقها من أي هيمنة أمريكية محتملة على جرينلاند. فروسيا تعتبر القطب الشمالي منطقة نفوذ حيوي، وقد كرست سنوات لتعزيز وجودها العسكري والاقتصادي هناك، وهو اهتمام تجسد رمزياً في زيارة الرئيس بوتين لأرخبيل "فرانتس يوزف" القطبي النائي في مارس 2017.
بالإضافة إلى ذلك، تمتلك روسيا أفضلية جغرافية ساحقة في القطب الشمالي، حيث تبسط سيادتها على 53% من سواحل المحيط المتجمد، وهو ما يجعل مصالحها هناك تتجاوز مجرد الحضور العسكري لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة الجذور. تُشكل هذه المنطقة القطبية الركيزة الأساسية لمستقبل الاقتصاد الروسي، فهي الحاضنة الكبرى لمشاريع الطاقة والتعدين العملاقة، فضلاً عن كونها شرياناً حيوياً للنقل البحري عبر طريق بحر الشمال. هذا الممر المائي لا يعزز فقط قطاع الخدمات اللوجستية، بل يمنح روسيا ميزة استراتيجية كجسر ملاحي يربط بين قارتي أوروبا وآسيا.
جرينلاند.. طموح أمريكي يهدد وحدة الناتو ويخدم مصالح موسكو
بينما تتجه أنظار واشنطن نحو القطب الشمالي، وتحديداً جرينلاند، بحثاً عن الموارد وتعزيز الأمن القومي، تتصاعد المخاوف الدولية من تداعيات هذا التحول على التحالفات الغربية. فعلى الرغم من أن روسيا تحتفظ بترسانة ردع نووي وقواعد عسكرية وأسطول ضخم من كاسحات الجليد في المنطقة القطبية،يرى المحللون أن موسكو تنظر إلى الأزمة الحالية من زاوية مختلفة تماماً؛ فرصة ذهبية لتقويض حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي حديثه لشبكة "سي إن بي سي"، قلل جيمي شيا، نائب الأمين العام المساعد السابق لشؤون التحديات الأمنية الناشئة في حلف الناتو، من التأثير المباشر لأي وجود أمريكي مكثف في جرينلاند على النفوذ الروسي في أقصى الشمال. وأوضح شيا أن روسيا محاصرة بالفعل استراتيجياً في تلك المنطقة بفضل تعزيزات دول الناتو، بما فيها الأعضاء الجدد فنلندا والسويد.
لكن الخطر الحقيقي، وفقاً لشيا، يكمن في البعد السياسي. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى في الصدع المتزايد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، خاصة الدنمارك، انتصاراً هائلاً دون أي تكلفة. وأن أي تحرك أمريكي أحادي الجانب، أو أزمة عابرة للأطلسي، قد يؤديان إلى تقليص الالتزام الأمريكي تجاه أوروبا وأوكرانيا، مما يمنح موسكو مساحة أكبر للمناورة وتوسيع نفوذها في مناطق أخرى مثل أفريقيا والشرق الأوسط.
وأحدثت تهديدات الرئيس ترامب باستخدام القوة للاستحواذ على جرينلاند صدمة عميقة داخل أروقة الحلف. أكدت كل من جرينلاند والدنمارك مراراً لترامب أن الجزيرة ليست للمساومة أو للبيع، وأن أي عمل عسكري للاستيلاء عليها سيؤدي إلى نهاية حلف الناتو. ومن المقرر أن يجتمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع مسؤولين دنماركيين الأسبوع المقبل.
في تصريح لشبكة "سي إن بي سي"، وصف إدوارد آر. أرنولد، الباحث البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، حالة القلق المتنامية بين القادة الأوروبيين والمخاطر التي تهدد وحدة حلف شمال الأطلسي بأنها هدية استراتيجية ثمينة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأوضح أرنولد أن العقيدة العسكرية الروسية، الممتدة من الحقبة السوفيتية، تدرك استحالة الانتصار العسكري المباشر على قوة بحجم الناتو. لذا، ترتكز الاستراتيجية البديلة على هزيمة الحلف سياسياً، ودق إسفين بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. وحذر أرنولد من أن إصرار واشنطن على سيناريو ضم جرينلاند قد يكون القشة التي تقصم ظهر التحالف.
في النهاية، يبدو أن جرينلاند قد تتحول إلى اختبار حقيقي لصلابة النظام العالم ي القائم. فبينما تسعى واشنطن لتعزيز أمنها القومي في القطب الشمالي، فإن التكلفة السياسية قد تكون باهظة، متمثلة في تصدع تحالفات تاريخية وتقديم نصر مجاني لخصومها الاستراتيجيين. ومع استمرار الصمت الروسي المدروس والغضب الصيني والأوروبي المعلن، يبقى السؤال الأهم: هل ستضحي الولايات المتحدة بوحدة الغرب من أجل طموح قطبي، أم ستغلب لغة الدبلوماسية لإنقاذ ما تبقى م ن تماسك الناتو؟

















0 تعليق