النهب باسم القانون.. النظام الإيراني يسطو على أملاك المعارضين بتهمة «الصهيونية»

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​يتبنى النظام الإيراني استراتيجية مكثفة تعتمد على تحويل الصراع السياسي إلى ملفات أمنية معقدة تهدف لمصادرة ممتلكات المنتقدين، حيث يتم توجيه تهم الارتباط بالصهيونية والعمالة للخارج كذريعة قانونية لتجريد المعارضين من أصولهم المالية وعقاراتهم داخل البلاد، مما يعكس حالة من التصعيد غير المسبوق في التعامل مع الأصوات التي تطالب بالتغيير الجذري في بنية السلطة القائمة حالياً بمناطق مختلفة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت" فإن الصحفي البارز مهدي نصيري الذي كان يقود مؤسسة كيهان الصحفية المقربة من دوائر صنع القرار العليا، وجد نفسه ضمن قائمة طويلة من الشخصيات التي طالتها قرارات المصادرة القضائية الأخيرة، وذلك بعد أن تحول من مدافع شرس عن المبادئ الثورية إلى ناقد علني يطالب بالانتقال الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان الأساسية للمواطنين في مواجهة القمع.

​تعتبر السلطة القضائية في طهران أن الاستيلاء على أموال الصحافيين والناشطين المقيمين في الخارج يصب في مصلحة الشعب العامة، وهو ادعاء يرفضه الحقوقيون الذين يرون في هذه الخطوة محاولة واضحة لإضفاء شرعية زائفة على عمليات السلب الممنهج للحقوق الفردية، حيث يتم استخدام القضاء كأداة لتنفيذ أجندات سياسية تهدف إلى ترهيب كل من يجرؤ على كشف انتهاكات الأجهزة الأمنية المتعددة.

تحولات مهدي نصيري من قلب السلطة إلى ساحات المعارضة

​يعكس المسار المهني لمهدي نصيري قصة تحول درامية داخل النخبة السياسية الإيرانية، فقد كان يمثل الصوت الأيديولوجي الصارم للنظام الإيراني خلال حقبة التسعينيات عبر رئاسته لتحرير صحيفة كيهان، وهي الصحيفة التي تعتبر اللسان الناطق باسم مكتب المرشد، وكان حينها يتبنى مواقف متشددة ترفض أي نوع من الانفتاح السياسي أو الثقافي أو التقارب مع القوى الغربية في ذلك الوقت.

​بدأت ملامح التغيير تظهر على مواقف نصيري تدريجياً مع تزايد هيمنة المؤسسة العسكرية والدينية على مفاصل الدولة وتهميش الحقوق المدنية، حيث شرع في انتقاد الأساليب العنيفة التي تتبعها الأجهزة الأمنية في قمع الاحتجاجات الشعبية، وتحول من خندق الدفاع عن الثورة إلى صفوف المطالبين بالإصلاح الجذري، مما جعله هدفاً مباشراً لآلة القمع القضائي التي لا تتسامح مع المنشقين.

​أكد نصيري في حديثه الصحفي أن قرارات المصادرة التي استهدفته مع مجموعة من الناشطين في محافظة سمنان تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة القانونية، حيث لا توجد محاكم مستقلة تمنح المتهمين حق الدفاع عن أنفسهم أو تضمن شفافية الإجراءات المتبعة، بل يتم صياغة القرارات السياسية في الغرف المغلقة ثم تُغلف بغطاء قضائي واهٍ لتبرير نهب الأموال والممتلكات الشخصية.

​يرى مراقبون أن النظام الإيراني يستخدم تهمة "الارتباط بالأعداء الأميركيين والصهاينة" كشعار جاهز لإقصاء أي معارض سياسي، فبدلاً من الرد على الحجج والطلبات الوطنية بالمنطق والحوار، يتم لصق تهم الخيانة والعمالة بكل من ينادي بالعلمانية أو الديمقراطية، وذلك لتصوير المعارضة المدنية كأنها تهديد أمني خطير يمس سيادة الدولة واستقرارها المزعوم أمام الرأي العام المحلي والدولي.

تجريم العمل السياسي تحت غطاء التهديدات الأمنية الخارجية

​تستغل السلطات الإيرانية حالة التوتر الإقليمي والحروب الخارجية لتوسيع حملات الاعتقال والمصادرة تحت مسمى "دعم الحرب"، حيث أعلن مكتب المدعي العام عن تحذيرات شديدة اللهجة للمواطنين المقيمين في الخارج، مهدداً بمصادرة جميع أصولهم داخل إيران في حال ثبت تعاونهم مع جهات معادية، وهو ما يعتبره الناشطون نوعاً من العقاب الجماعي العابر للحدود الذي يهدف لقطع الأواصر المالية للمهاجرين.

​شهدت محافظة همدان في الآونة الأخيرة عمليات مصادرة واسعة طالت عقارات ونقوداً تعود لأربعين شخصاً بتهمة التواطؤ مع شبكات معادية، وزعمت السلطات أن هذه الأموال ستستخدم في إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، وهو تبرير يراه نصيري مجرد دعاية سياسية تهدف لتحريض المجتمع ضد المعارضين وتصويرهم كسبب في الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد نتيجة الفساد الممنهج وسوء الإدارة.

​يصر نصيري على أن الشعب الإيراني يمتلك وعياً ذاتياً لا يحتاج معه لتعليمات خارجية للمطالبة بحقوقه في الكرامة والحرية، فجذور الاحتجاج نابعة من المعاناة اليومية مع الفقر والظلم وغياب العدالة الاجتماعية، وليست نتاج مؤامرات صهيونية كما يدعي النظام الإيراني دائماً للهروب من استحقاقات الداخل، مؤكداً أن معارضة الاستبداد هي مطلب وطني أصيل يتبناه ملايين المواطنين الذين سئموا من سياسات التمييز والقمع.

​تستخدم السلطة القضائية مصطلحات فضفاضة مثل "الحرب المفروضة الثالثة" لتبرير إجراءاتها الاستثنائية وتجاوز القوانين المدنية المعمول بها، مما يفتح الباب على مصراعيه للاستيلاء على أملاك أي شخص يظهر تعاطفاً مع الحركات الاحتجاجية، حيث يتم تجميد الحسابات المصرفية ومنع التصرف في العقارات السكنية، مما يضع عائلات المعارضين في مواجهة مباشرة مع خطر التشرد والضياع المالي والاجتماعي في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

أزمة الشرعية واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع المدني

​تفاقمت أزمة الشرعية التي يواجهها النظام الإيراني بشكل حاد بعد انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، حيث لم يعد القمع الدموي كافياً لإسكات الأصوات المطالبة بالتغيير، مما دفع الحكومة لتصعيد ضغوطها الاقتصادية كبديل أو مكمل للترهيب الأمني، واعتبر نصيري أن المصادرات الأخيرة تدل على ضعف السلطة لا قوتها، لأنها تعكس عجز النظام عن إقناع المجتمع بنهجه السياسي أو الاقتصادي الفاشل.

​تشير التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث دولية ومنظمات غير ربحية مثل "غامان" إلى أن الغالبية العظمى من الإيرانيين باتت تفضل نظاماً سياسياً مختلفاً تماماً، حيث لم تتجاوز نسبة المؤيدين لاستمرار الوضع القائم العشرين في المئة، وهذا التراجع الكبير في الحاضنة الشعبية هو ما يفسر لجوء النظام إلى سياسة "نشر الخوف" وجعل ثمن المعارضة باهظاً جداً عبر استهداف لقمة العيش والممتلكات الشخصية.

​يرى مهدي نصيري أن النظام الإيراني قد دخل مرحلة لم يعد يميز فيها بين الناشط المدني والعدو العسكري، فكل صوت مستقل أو منتقد يوضع في خانة التهديد الوجودي، مما يؤدي إلى انغلاق سياسي كامل يدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية، حيث يتم استغلال الأزمات الخارجية التي تفتعلها السلطة نفسها لتبرير مزيد من التضييق على الحريات العامة وملاحقة كل من يملك رأياً مخالفاً للتوجه الرسمي.

​تؤكد المشاهد التي تلت الضربات الخارجية الأخيرة وتفاعل الجاليات الإيرانية معها على عمق الهوة بين الشعب وقيادته، ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن السيادة والكرامة، يحتفل قطاع واسع من المواطنين بأي حدث يضعف مفاصل القمع، وهذا التناقض الصارخ يعزز فرضية نصيري بأن الأزمة الحقيقية هي أزمة داخلية بامتياز ناتجة عن عقود من التهميش والفساد المالي والإداري الذي نخر مؤسسات الدولة.

ملاحقة النشطاء في المهجر وتدويل سياسات القمع المالي

​لم تقتصر إجراءات القمع على الداخل فقط، بل امتدت لتشمل أكثر من مئة شخصية في الخارج صدرت بحقهم أوامر قضائية بتجميد الأصول ومصادرة الأملاك، وشملت القائمة مديرين وصحافيين في وسائل إعلام دولية ورياضيين وفنانين، حيث يسعى النظام الإيراني عبر هذه القرارات إلى ممارسة ضغط نفسي ومالي على المؤثرين في الرأي العام العالمي، لمنعهم من تسليط الضوء على الانتهاكات الجارية داخل المدن الإيرانية.

​تضمنت القوائم الرسمية أسماء مرتبطة بقنوات مثل "إيران إنترناشونال" و"مانوتو"، إضافة إلى ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي يقيمون في دول أوروبية والولايات المتحدة، حيث يتم توجيه تهم التجسس والتعاون العسكري لهم دون أدلة ملموسة، وهو ما يعتبره الحقوقيون انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الذي يحمي حق الملكية وحرية التعبير، ومحاولة بائسة لإسكات الإعلام العابر للحدود الذي يفضح ممارسات السلطة.

​يختتم مهدي نصيري رؤيته بالتأكيد على أن سياسة مصادرة الأموال لن تثني الأحرار عن مواصلة طريقهم نحو تحقيق الديمقراطية، بل إنها تزيد من إصرار المجتمع على المطالبة برحيل هذه المنظومة التي تستبيح ممتلكات مواطنيها، مشدداً على أن المستقبل سيكون للشعب الذي يرفض الاستبداد بكافة أشكاله، وأن التهم الجاهزة مثل "الصهيونية" لم تعد تنطلي على أحد في ظل عصر الانفتاح المعلوماتي والوعي السياسي المتنامي.

​يبقى النظام الإيراني في مواجهة مباشرة مع واقع متغير لا يعترف بسياسات الإقصاء والتخوين، حيث أصبحت المعارضة جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي داخل إيران وخارجها، وتظل قضية ممتلكات المعارضين شاهداً حياً على مرحلة تاريخية يتصارع فيها الحق في التملك والعيش الكريم مع نزعة التسلط الأمني التي تحاول اختزال الوطن في ولاءات ضيقة وتهم أمنية مفبركة تفتقر للحد الأدنى من المصداقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق