دافع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقوة عن مذكرة التفاهم التي وقعها مع إيران في قصر فرساي بباريس، مؤكدا أن قراره جاء لتجنب كارثة اقتصادية قد تشبه انهيار عام 1929 الذي قاد إلى الكساد الكبير، موضحا أنه لا يرغب أبدا في أن يوضع في مقارنة مع الرئيس السابق هربرت هوفر، ومعتبرا أن تجنب الانهيار المالي يمثل أولوية قصوى في ظل التطورات الاقتصادية الأخيرة، ومشيرا إلى أن مخاوفه من انعكاسات الصراع على تكاليف الطاقة وتأثير ذلك على الانتخابات النصفية دفعته للتحرك نحو التهدئة
حسب تقرير لموقع وول ستريت جورنال، فإن تصريحات ترمب تعد إقرارا صريحا بأن قراراته تأثرت بردود الفعل العالمية على الصراع المستمر منذ ثلاثة أشهر، خاصة بعد أن انقلب عليه بعض حلفائه الذين رأوا في هذا الاتفاق تخليا عن سياسات أميركا أولا، على الرغم من تأكيده سابقا أن الوضع المالي للأميركيين لا يؤثر على قراره الرامي لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف من الظروف
دوافع ترمب وخلفيات مذكرة التفاهم
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم تهدف بالأساس إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية، وذلك مقابل رفع واشنطن للعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، مما يوفر للنظام في طهران إيرادات مالية يحتاجها بشدة في هذه المرحلة، وبينما أثيرت تساؤلات حول توقيت هذا التحول الدبلوماسي، شدد المسؤولون الأميركيون على أن الهدف الأسمى يظل ضمان عدم تحول إيران إلى قوة نووية تهدد المنطقة
كشفت تفاصيل مذكرة التفاهم التي اطلع عليها كبار المسؤولين الأميركيين أن الاتفاق يلزم طهران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وهو تعهد تسعى واشنطن لترجمته إلى آليات تنفيذ ملموسة عبر مفاوضات ستجري خلال الشهرين المقبلين، ورغم الإعلان عن الاتفاق منذ أيام، فقد فضل الطرف الإيراني عدم نشره للرأي العام، مما زاد من حالة الغموض المحيطة ببنود التسوية التي تمنح إيران تخفيفا ماليا تدريجيا مشروطا بسلوكها
تحديات التنفيذ ومخاطر الرهان الدبلوماسي
تتضمن مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب آليات للإفراج عن أموال إيرانية مجمدة فور تنفيذ بنود محددة، حيث أوضح الرئيس أن هذه الأموال ليست ملكا للولايات المتحدة وسيأتي وقت لإعادتها، لكن الإدارة الأميركية شددت على أن طهران لن تتسلم هذه الأصول ما لم تتخذ خطوات ملموسة تبرهن على حسن السلوك، مما يضع الاتفاق في إطار الاختبار المستمر لمدى التزام الجانب الإيراني بالتعهدات المطلوبة
يمثل هذا الاتفاق أكبر رهان في السياسة الخارجية لترامب، حيث يراهن على أن النظام الإيراني سيختار المسار الاقتصادي بدلا من التسلح النووي، مع احتفاظ واشنطن بحق الانسحاب أو حتى العودة للتهديد العسكري، فقد حذر الرئيس من أن أي إخلال بالبنود قد يدفع بلاده للعودة إلى سياسة القصف العنيف، مشيرا بلهجة حادة إلى أن القنابل يمكن أن تفعل الكثير إذا لم تلتزم طهران بما تم التوقيع عليه إلكترونيا
المسارات الإقليمية والمواقف الدولية
أشار ترامب إلى أن واشنطن ستعمل في مسار منفصل مع دول الخليج لمعالجة قضايا غير نووية مثل الصواريخ الباليستية، مفاجئا المتابعين بقوله إنه لا يعارض احتفاظ إيران بجزء من ترسانتها الصاروخية، معتبرا أنه من غير العادل حرمانها منها إذا كانت دول أخرى تمتلكها، في مقاربة تهدف إلى فصل ملف الأسلحة التقليدية عن الاتفاق النووي الذي يظل الشغل الشاغل للإدارة الأميركية
لقيت هذه الخطوة ترحيبا حذرا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي استضاف القمة في فرساي، معتبرا أن الاتفاق ضروري رغم كونه لا يحل جميع المشكلات العالقة، خاصة تلك المتعلقة بالملف النووي، وأعرب ماكرون عن مخاوفه من احتمال عودة القتال في لبنان أو أن تصر طهران على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز، مما يعكس الهشاشة التي قد تصيب هذا الاتفاق في أي لحظة
الجدل الداخلي والمستقبل التفاوضي
عاد ترامب إلى واشنطن لمواجهة معارضة قوية من المتشددين الذين يرون أنه قدم تنازلات باهظة مقابل مكاسب محدودة، مؤكدين أن المضيق كان مفتوحا قبل الحرب أصلا، وفي خطوة أربكت الترتيبات، أقدم الرئيس على توقيع المذكرة مرة ثانية خلال عشاء رسمي في فرساي، لتصبح الآن موقعة رسميا من قبل الرئيسين الأميركي والإيراني بعد التوقيع الإلكتروني الأولي الذي تم في وقت سابق من هذا الأسبوع
تستعد الأطراف الآن للانتقال إلى مرحلة المفاوضات الفعلية في مدينة لوسيرن السويسرية، حيث سيشارك وفد أميركي رفيع يضم نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب وسطاء من قطر وباكستان، لمحاولة تحويل هذه المذكرة إلى اتفاق شامل ودائم، بينما يظل السؤال الأبرز حول مدى قدرة ترامب على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية لإنجاح هذا الرهان الدبلوماسي المعقد.















0 تعليق