كيف تبني نظامًا ديكتاتوريًا

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف تبني نظامًا ديكتاتوريًا, اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 09:28 صباحاً

في عام 2014 أعلن صراحة أنه يبني دولة غير ليبرالية -جمهورية جديدة- ولم يكن تصريحه مجرد شعار سياسي، بل كان خريطة طريق لنظام سياسي بديل، وبعد ثماني سنوات، صنف البرلمان الأوروبي هذا النموذج بأنه ديكتاتورية انتخابية.

 

ولم تكن أدوات الاستيلاء على الدولة مسألة سهلة، بل كانت استراتيجية معقدة لتفكيك المؤسسات الديمقراطية، بدأها بما يمكن تسميته الهندسة الدستورية القانونية، مثل إعادة كتابة الدستور، وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية، وإضعاف استقلالها، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية بما يخدم مصالح حزب وحيد، وتمرير قوانين متكررة أشبه بقوانين الطوارئ، ثم الاستيلاء على الإعلام وتحويل المؤسسات الإعلامية العامة إلى منابر وأبواق خاصة.

 

ولم يتوقف في سعيه لتدشين نظام ديكتاتوري عند هذا الحد، بل تمادى وعمل على تمكين رجال أعمال مقربين من الاستحواذ على معظم وسائل الإعلام الخاصة، وتمادى في غيه باستخدام برنامج بيجاسوس الإسرائيلي للتجسس على هواتف المعارضين لنظامه وفضحهم.

 

ومن أجل الوصول إلى دولة غير ليبرالية أو ديكتاتورية انتخابية، سعى حثيثًا للسيطرة على المؤسسات الثقافية والتعليمية، ونقل إدارة الجامعات إلى مؤسسة ثقة المصلحة العامة، المسيطر عليها من قبل رجال النظام، وقام بتفكيك المجتمع المدني والسيطرة عليه، عبر اتهامات له حول التمويل من الخارج.

 

وقام الرجل ببراعة ببناء شبكة من رجال الأعمال الموالين، يتحكمون في موارد عامة ضخمة، وتوزيع عقود الدولة بالأمر المباشر، وإنشاء شبكات فساد ممنهجة امتدت إلى أعلى مستويات الحكومة، وأصبح الفساد كأنه قانون يُحترم ويجد من يحميه.

 

وعندما تخضع للديكتاتور كل الرؤوس، يظن نفسه أصبح في برج عاجي، محميًا بما صنع من مؤسسات وشبكات فساد، ورغم السيطرة شبه الكاملة على مفاصل الدولة، بدا واضحًا أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي أحاطت بالنظام، وارتفاع معدلات التضخم، مع توقعات بنمو اقتصادي هزيل، وعجز ميزانية بلغ ذروته، واستمرار تمويل شبكات المحسوبية بمدخلات الدولة، جعلت عدم القدرة على الاستمرار أمرًا واضحًا.

 

ولم يكن ذلك فقط هو القشة التي ستقسم ظهر البعير، فقد كان يلوح في الأفق ما هو أخطر، حيث بدأت تنفجر فضائح سياسية كاشفة، بإصدار قرارات العفو عن مجرمين، تسببت في صدمة داخل المجتمع، وأدت إلى ضوضاء أحاطت بالنظام، وكشفت عن تسجيلات صوتية تفضح تدخل النظام في قضايا فساد مروعة.

 

حتى هذه اللحظة، كان فيكتور أوربان، الذي عاد إلى السلطة في المجر عام 2010 بعد فوز انتخابي، لم يكن فوزًا تقليديًا، عندما حصل حزب فيديز على 53٪، منحته 68٪ من مقاعد البرلمان، وبدأ تفكيك الدولة الديمقراطية وإنشاء نظام ديكتاتوري، يتصور هو وأتباعه، ومن يسيرون على دربه، أن الأيام تخبئ لهم ما هو أبعد من مخططاتهم.

 

بعد توالي فضائح النظام الديكتاتوري، وفي أبريل الماضي، كان الناخب المجري على مستوى الحدث، ولم يكن بيتر ماجيار معارضًا تقليديًا، بل كان واحدًا ممن يعرفون لغة النظام ونهجه ومفرداته، وطرق تصفيته لمعارضيه، مما جعله بمنأى عن أساليب النظام في اتهام المعارضين بالعمالة لصالح دول أخرى أو تيارات معادية للمجر.

 

أسس ماجيار حزب تيشا، وفي 12 من أبريل الماضي كانت المفاجأة، بفوز حزب تيشا في واحدة من أعلى الانتخابات مشاركة، واستطاع أن يفكك كل الاتهامات التي كانت توحي للناخبين بهواجس ومخاوف من التهديدات القادمة، والعمالة، والتخوين.

 

ووجد بيتر ماجيار نفسه أمام تحديات صعبة بعد إعلان الفوز واعتراف أوربان بالهزيمة، إذ وجد نفسه أمام نظام لا بد من تفكيك أدواته قبل البدء بأي خطوات أخرى، وهنا يبدأ فصل جديد يعلن فيه عن كيفية تفكيك النظم الديكتاتورية، وهو أمر، لو تعلمون، عظيم.

 

الآن يحاول ماجيار أن يجد حلولًا لنيابة عامة تحت سيطرة حليف مقرب من أوربان، ومجلس إعلام يضمن استمرار النفوذ على الإعلام، وجامعات تحت سيطرة نظام يوالي أوربان، ومحكمة دستورية غير مستقلة، ومفاصل دولة لا تزال تفي بوعودها لأوربان.

إن متابعة تلك المعركة، معركة استعادة الديمقراطية وإعادة الدولة إلى شعبها، وتفكيك أدوات النظام الديكتاتوري، أمر لم يعد يخص دولة المجر وحدها، بل معركة نتصور أن تداعياتها ستكون عابرة للحدود، وأن شعوبًا كثيرة في مناطق متعددة من العالم ستعكف على دراستها والاستفادة منها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق