نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نافذة على الوعي (23).. مولد النور وانطلاقة التنوير, اليوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026 12:00 مساءً
ليس كما يهذي أدعياء التنوير الزائف وتجار الحداثة ودهاقنة العلمانية في ترهاتهم الأزلية، بأن التنوير مُنتَج فكري وفلسفي غربي لم يعرفه العالم إلا عندما أقدم إيمانويل كانط على جواب سؤال طرحه القس يوهان فريدريش تسولنر (١٧٥٣ – ١٨٠٤م): ما التنوير؟ فقام إيمانويل كانط بتحديد مفهوم التنوير بأنه: خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر.
ثم حصر كانط أسباب حالة القصور تلك في سببين لا ثالث لهما هما: الكسـل والجبــن! فتكاسلُ الناس عن الاعتماد على أنفسهم في التفكير أدى من جهة إلى تخلفهم المعرفي، ومن جهة أخرى هيأ الفرصة للآخرين لاستغلالهم منتهزين فرصة عامل الخوف الكامن داخلهم.
أي أن البشرية كانت بحسب تلك الترهات والأضغاث تعيش في دامس ظلام غياب التنوير إلى أن سطَّر كانط عام ١٧٨٤م مقالته الشهيرة: Beantwortung der Frage: Was ist Aufklärung ؟
وذلك مَحْض حديث خرافة وغياب وعي بحقائق التاريخ العلمية والدينية والثقافية؛ لأن التنوير مضمونًا واصطلاحًا وظيفيا قد استقر في المفاهيم الإسلامية والأدبيات العربية منذ إشراقة شمس النبوة المحمدية بالإعلام الإلهي الحاسم بخصائص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ووظيفته التنويرية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا).
فالتنوير الوظيفي المنصوص عليه للرسول لفظا في النداء الإلهي له تنوير شامل يتضمن النَّص على الاستنارة المعرفية بالحكمة وعلى الاستنارة الأخلاقية بالتزكية: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وذاك ما استقر في العقل الحضاري العربي مُبَكِّرا مُسجَّلا في أسفار وجدان الحكمة العربية بديوانها الشعري في إنشاد كعب بن زهير أول شادٍ بالوظيفة التنويرية لنبي الإسلام وبحضرته:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ..
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي
وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ..
مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ..
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ..
ثم تبعه شادٍ آخر جمع بين جانبي التنوير الوظيفي بشقيه إلى جانب التنوير الاصطلاحي بلفظه؛ قائلا:
إنارةُ العقلِ مكسوفٌ بطَوْعِ هَوَى..
وعَقْلُ عاصي الهوى يزداد تنويرًا.
أمَّا ميلاد قيم التنوير الحقيقي وفعالياته وتأثيراته غير المنكورة التي كما يقول الإنجليزي توماس كارليل بمحاضرته عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم (البطولة والأبطال.. البطل نبيًا) بلندن عام ١٨٨١م، قد أحالت ظلام جاهلية الجزيرة العربية نورا وجدباء صحرائها بساتين نضرة؛ لأن ظهور النبي كان بمثابة شهاب مضيئ نازل من السماء.
فقد تزامن إذن فَجْر التنوير وانطلاقه مع مولد النور المحمدي وانبثاقه؛ كما نطق بذلك كتابه المنزل من الله النور الكلي: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).
إذ أبان الله لأُولي الأبصار والنُّهى منذ الوهلة الأولى أن رسوله الكريم قد بُعث بهذا الكتاب الكريم، الذي نزل مقرونا باسْمٍ من أجَلِّ أسمائه الحسني وصفة من أسمى صفاته العُلى وهي (النور) اللازم لكتابه المنزل، كي يؤدي دوره التنويري في الهداية الإيمانية والرشاد العقلي والإرشاد الكوني؛ لأن النور المتسربل به الكتاب سيجعله مُبِينًا واضحًا للعَيَان هاديًا للتي هي أقوم منهجيا ومعرفيا وسلوكيا وروحيا بصلاحية عابرة للأزمان والخرائط المكانية والجغرافية: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ).
ولذلك جاء خطاب التنزيل للكتاب والتكليف للرسول النور الحامل مُحَمَّلا بخصائصهما النورانية ووظائفهما وأدوارهما التنويرية المتماهية، وكذلك جاء متضمنا ثمرات العمل بالتنوير ونتائجه المترتبة عليه أمْنًا وسلامًا ورفاهيةً وازدهارا للعيش في الدنيا، وفوزا ثمينا فريدا لا نظير له في الآخرة..
فكان البيان الإلهي المُبْهر: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الذي خلع الله تعالى فيه على القرآن (النور) اسمًا وصفةً لِيُجِلَّه ويُجلِّله بنور يُضيئ ولو لم تمسسه نارٌ؛ ليكون سبيلا هاديا مبينًا دون عناء أو مشقة أو عائق أو واسطة، وذلك من رحمته تعالى بالراغبين في الهداية الإيمانية والرشاد العقلي والإصلاح الكوني والرقي الإنساني.
فمن استنار بهذا النورالمبِين وسلك طريق التنوير الذي بيَّنه؛ وعمل به نال ثلاثًا من الثمرات العاجلة، وما لا يَنِدُّ عن الحَصْر أو التخيل مما تَقَرُّ به الأعين في الآجلة: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ففي الدنيا ينال المستنير بنور النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ والعامل بتنوير القرآن:
أ- سُبل السلام، وهي طُرق السلامة والفَلَاح والازدهار والرفاهية والسكينة والاطمئنان، والنجاة من كل خوف وشقاء.
ب- الخروج من ظلمات الجهل والجهالة والكفر والجحود والضلال إلى ضياء نور المعرفة والعقل والحق والإيمان.
ج- الاهتداء إلى الصراط المستقيم صراط الله الحميد الذي يسألونه إياه صباح مساء: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
وذلك التلازم التنويري بين القرآن الدستور التنويري والرسول النور الحامل والمبلِّغ معلومٌ من بيان خطاب التكليف: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
فقد جمع الخطاب التكليفي بين الرسول النور المُبلِّغ وبين الكتاب دستور التنوير ليس فحسب في إلهية مصدر التكليف النوراني، بل كذلك في الغاية والهدف التنويري بإخراج الناس من ظلمات الجهالة الأخلاقية والدينية والمعرفية إلى جمال نور الاستنارة وضياء الاهتداء إلى أقوم المسالك.
وهذا التلازم التنويري معلوم كذلك من تلازم الصوابية والصحة والحقيقة المطلقة المكفولة للقرآن دستور التنوير وللنور الرسول المبلِّغ له؛ فقد جاءت الآيات الدلالية الكونية والنفسية التي ساقها الله تعالى لتأكيد وإثبات مصداقيتهما. قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
والتنوير الذي حمله الرسول والقرآن ما كان أداءً وظيفيا موقوتا بحياة الرسول النور؛ بل هو تنوير أبدي دائم مادامت السموات والأرض والجبال بما اشتمل عليه دستور التنوير القرآني من قيم إنسانية ظلت الإنسانية تكافح قرابة ألف وأربعمائة عام إلى أن أقرت قوانين نظرية تضمنت شذرات مما جاءت به منظومة القيم التنويرية التي حملها رسول النور والقرآن الكريم دستور التنوير.
لكن منظومة قيم التنوير التي حملها رسول النور والقرآن الكريم هي قيم تنوير حضاري تتماهى مع طبيعة وكنه الإسلام الحضاري الجامع بين القيم والعمل المُفَعِّل لها في بناء الإنسان الحضاري الفائز في معركة الاختبار الكوني: ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
جاءت تلك القيم ذات مُكَوِّنين: المحور الاول انساني والمحور الثاني هو القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الإنسانية وعمادها، ونعرضهما في المقال القادم.


















0 تعليق