حل المجلس الانتقالي الجنوبي يشكّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التمثيل السياسي للجنوب، وحدود التحولات الجارية في المشهد اليمني. ففي يوم الجمعة، أعلنت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي قرارها بحل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، في خطوة وُصفت بأنها مراجعة شاملة لتجربة سياسية لم تحقق أهدافها المعلنة، وتمهيدًا للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل.
التمسك بالسلطة أم توفير مظلة؟
بحسب البيان الرسمي، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي ليكون إطارًا سياسيًا جامعًا يحمل قضية شعب الجنوب، ويمثّل تطلعاته في استعادة دولته وتحقيق شراكته السياسية.
وأكدت هيئة الرئاسة أن الهدف من إنشاء المجلس لم يكن التمسك بالسلطة أو احتكار القرار أو إقصاء القوى الأخرى، بل توفير مظلة تمثيلية تعكس الإرادة العامة للجنوبيين.
غير أن المسار العملي للمجلس، كما يقرّ البيان، كشف عن إخفاقات سياسية وتنظيمية، أبرزها تعمّق الانقسام داخل الصف الجنوبي، وتراجع القدرة على الحفاظ على توافق وطني جنوبي جامع.
ما أسباب حل المجلس الانتقالي؟
يرتبط قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها عدم مشاركة المجلس في القرار المتعلق بالعملية العسكرية التي استهدفت محافظتي المهرة وحضرموت، وما نتج عن ذلك من إضعاف لوحدة الصف الجنوبي، إضافة إلى توتر العلاقة مع التحالف العربي بقيادة السعودية. واعتبرت قيادة المجلس أن استمرار الكيان بصيغته القائمة لم يعد يخدم الغاية التي أُنشئ من أجلها، بل بات جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون أداة للحل.
حل المجلس والحوار الجنوبي الشامل
قدّم قرار الحل بوصفه خطوة سياسية نابعة من «المسؤولية التاريخية» تجاه قضية الجنوب، ووسيلة لإعادة توجيه الجهود نحو مسار أكثر شمولًا. وفي هذا الإطار، أكدت الهيئة أن المرحلة المقبلة تقتضي الاستعداد والمشاركة الفاعلة في مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل، الذي يُعقد برعاية المملكة العربية السعودية، باعتباره الإطار الأنسب لإعادة بناء توافق جنوبي واسع، وتجاوز حالة الاستقطاب السياسي.
وأشاد البيان بدور السعودية ومواقفها الداعمة، وما وصفه بالالتزام الواضح تجاه إيجاد حلول سياسية تلبي تطلعات أبناء الجنوب. كما دعت الهيئة مختلف القيادات والشخصيات الجنوبية إلى الانخراط الجاد في مسار الحوار، بهدف بلورة رؤية سياسية مشتركة، وتشكيل إطار جنوبي جامع قادر على تمثيل مختلف المكونات.
دلالات حل المجلس الانتقالي في المشهد اليمني
لا يمكن قراءة حل المجلس الانتقالي الجنوبي بمعزل عن التحولات الأوسع في اليمن. فقد شهدت الفترة الأخيرة استعادة المجلس الرئاسي اليمني، بدعم سعودي، السيطرة على معظم المحافظات الجنوبية التي كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، ما يعكس إعادة ترتيب موازين القوى السياسية والأمنية في الجنوب.
ويعزّز هذا الاتجاه صدور قرارات عن المجلس الرئاسي بقيادة رشاد العليمي، شملت إسقاط عضوية رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، وإحالته إلى التحقيق بتهمة الخيانة العظمى، إلى جانب إقالة عدد من الوزراء والمسؤولين المتهمين بدعم المجلس. وتُظهر هذه القرارات توجّهًا واضحًا لإعادة ضبط المشهد السياسي الجنوبي ضمن أطر مؤسسية أكثر مركزية.
ماذا بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي؟
سياسيًا، يعكس حل المجلس الانتقالي الجنوبي اعترافًا ضمنيًا بإخفاق تجربة التمثيل الأحادي، ومحاولة للانتقال من منطق الكيانات المغلقة إلى منطق الحوار السياسي الشامل.
كما يفتح الباب أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة القوى الجنوبية على استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء مشروع سياسي مشترك، يتجاوز الحسابات الفصائلية، ويضع المصلحة العامة للجنوب في صدارة الأولويات.
وفي ختام بيانها، دعت هيئة رئاسة المجلس شعب الجنوب في عدن وسائر المحافظات الجنوبية إلى إدراك حساسية المرحلة، وأهمية توحيد الجهود للحفاظ على المكتسبات السياسية والأمنية، وحماية الجنوب من الفوضى والاختلالات. كما جدّدت التزامها بمواصلة خدمة قضية الجنوب بوسائل جديدة، ترى أنها أكثر قدرة على التعبير عن تطلعات الجنوبيين في هذه المرحلة الدقيقة.


















0 تعليق