تواجه القيادة الإيرانية في الوقت الراهن أصعب اختبارات وجودها منذ عقود طويلة، حيث أدت الحرب المشتعلة إلى تصدعات عميقة في هيكل السلطة وتشتت في مراكز صناعة القرار الاستراتيجي. وقد تسببت الضربات المتلاحقة في شل قدرة المسؤولين على التنسيق الميداني أو التوصل لرؤية موحدة بشأن التفاوض مع واشنطن، مما جعل الدولة تعيش حالة من السيولة السياسية المقلقة التي تعيق أي تقدم نحو تسوية شاملة.
وحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن التقييمات الاستخباراتية الغربية تشير إلى مقتل العشرات من مسؤولي الصف الأول والثاني، وهو ما أحدث فراغاً هائلاً في هرم السلطة. وقد أدى هذا الغياب المفاجئ لكبار المخططين إلى انقطاع قنوات الاتصال الحيوية بين المؤسسات العسكرية والمدنية، مما جعل من تبقى من المسؤولين يواجهون صعوبة بالغة في الاجتماع أو اتخاذ مواقف سيادية حاسمة.
ويعيش من تبقى من أعضاء القيادة الإيرانية حالة من الارتياب الشديد، حيث يخشون استخدام وسائل الاتصال الحديثة خوفاً من اعتراضها من قبل الاستخبارات الإسرائيلية أو الأمريكية واستهدافهم بضربات جوية دقيقة. هذا الخوف الدائم من الاغتيال المباشر دفع المسؤولين إلى العزلة التامة والامتناع عن عقد لقاءات وجاهية، مما تسبب في تراجع حاد في قدرة الحكومة على التخطيط لسياسات جديدة أو مواجهة التحديات المتسارعة.
وكشفت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب عن وجود اتصالات مع وجوه جديدة تحاول الإمساك بزمام الأمور في طهران، مؤكدة أنها تضغط بشدة للإسراع في إبرام اتفاق ينهي العمليات القتالية. ورغم هذه الضغوط، يظهر الواقع الميداني أن الحكومة الجديدة تفتقر للمرونة الكافية لتقديم تنازلات كبرى، نتيجة غياب التوافق الداخلي وعدم وضوح الصلاحيات الممنوحة للمفاوضين الذين باتوا لا يعرفون المرجعية النهائية لقراراتهم.
صراع النفوذ وضبابية المشهد السياسي
بدأت الحرب بضربة قاصمة استهدفت مجمع القيادة الرئيسي، وأسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي ومعظم قيادات مجلس الأمن القومي، مما قطع الأوصال بين صانعي القرار الأمني والعسكري. وقد أدت هذه الضربة إلى اختفاء شخصيات كانت توصف بالبراجماتية، وهي التي كانت تعول عليها واشنطن لفتح ثغرة في جدار الأزمة، مما زاد من تعقيد المشهد الدبلوماسي وأدخل البلاد في نفق من الارتباك.
ويسود حالياً شعور عام بالضياع والشكوك المتبادلة بين بقايا الهيكل الحكومي، حيث يخشى كل طرف من أن يكون الطرف الآخر مخترقاً أو تحت المراقبة اللصيقة من الأجهزة الغربية. ونتيجة لهذا التوجس، تعطلت عجلة الإدارة اليومية للدولة، وأصبح التردد هو السمات الغالبة على أي تحرك رسمي، سواء كان عسكرياً في الميدان أو سياسياً في أروقة الدبلوماسية الدولية الصعبة.
ولا يزال الغموض يكتنف الدور الذي يلعبه مجتبى خامنئي، المرشد الجديد الذي لم يظهر للعلن منذ بداية الأزمة، وسط تقارير استخباراتية ترجح إصابته بجروح بليغة خلال الهجمات الجوية المكثفة. هذا الغياب الطويل عزز من فرضية أن الرجل قد يكون مجرد واجهة رمزية لا تملك سلطة فعلية، بينما تدور في الكواليس صراعات صامتة حول من يملك حق التحدث باسم الدولة.
ويرى محللون استخباراتیون أن الفراغ القيادي سمح للحرس الثوري بتوسيع نفوذه بشكل غير مسبوق، ليصبح القوة الفعلية التي تدير شؤون البلاد بعيداً عن المرجعية الدينية التقليدية المفترضة. ومع صعود التيار المتشدد داخل هذه المؤسسة العسكرية، باتت فرص التوصل لاتفاق سلمي محفوفة بالمخاطر، حيث يرفض هؤلاء القادة الانصياع لأي ضغوط سياسية قد تظهرهم في مظهر الضعف أمام القوى الخارجية.
تفكك منظومة السيطرة والقيادة اللامركزية
أوضح مسؤول عسكري أمريكي رفيع أن نظام القيادة والسيطرة الذي تعتمد عليه القيادة الإيرانية قد تعرض لأضرار هيكلية جسيمة تجعل من الصعب تنسيق عمليات عسكرية واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن النظام الإيراني كان قد استعد مسبقاً لمثل هذه السيناريوهات عبر إنشاء هيكل قيادي لامركزي يمنح القادة المحليين في الأقاليم صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات الهجوم والرد بشكل مستقل تماماً.
ورغم أن هذه اللامركزية سمحت باستمرار بعض العمليات العسكرية، إلا أنها افتقرت إلى الفعالية المطلوبة لإرباك الدفاعات الجوية المعادية أو تحقيق نتائج استراتيجية ملموسة في مسار الحرب. وقد اضطر القادة الميدانيون إلى تنفيذ هجمات متفرقة وغير منسقة، مما أدى إلى تشتيت الجهود العسكرية وفشل طهران في إطلاق رشقات صاروخية ضخمة كانت تخطط لها قبل تدمير مراكز إدارتها المركزية.
وتستهدف القوات الأمريكية حالياً هؤلاء القادة المحليين في مختلف المناطق الإيرانية لضمان الشلل التام لأي قدرة هجومية متبقية، مع تزايد الضغوط الاقتصادية التي بدأت تنهك الدولة بشكل متسارع. ورغم حجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية العسكرية، تشير التقارير إلى أن النظام لم يصل بعد إلى نقطة الاعتراف بالهزيمة، وهو ما يطيل أمد الصراع ويزيد من معاناة المدنيين.
وهدد الرئيس ترمب بتوسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل جزيرة خرج، وهي الشريان الحيوي لتصدير النفط، في حال استمرار المماطلة الإيرانية في قبول شروط الاتفاق المعروض حالياً على الطاولة. ويهدف هذا التهديد إلى تجفيف منابع التمويل المتبقية للنظام، وإجبار المسؤولين الجدد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية أكبر، بعيداً عن سياسة كسب الوقت التي كانت متبعة في السابق.
تعثر المفاوضات وتناقض الرسائل الدبلوماسية
أعرب الرئيس الأمريكي عن إحباطه العميق من طبيعة التواصل مع القيادة الإيرانية الحالية، واصفاً إياهم بالغرباء في تعاملهم الدبلوماسي المتناقض الذي يجمع بين التوسل سراً والتشدد علناً أمام الشعوب. وأشار ترمب إلى أن المفاوضين الإيرانيين يرسلون إشارات متضاربة تعكس حجم الانقسام الداخلي، حيث يطلبون عقد صفقة بشكل عاجل بينما يعلنون رسمياً أنهم ما زالوا يدرسون المقترحات المقدمة لهم من واشنطن.
واعتبر ترمب أن ظهور وجوه جديدة في السلطة يمثل تغييراً فعلياً في النظام، واصفاً بعضهم بأنهم يتسمون بالعقلانية في التعامل، لكنه حذر من أن صبره لن يدوم طويلاً. ولوح الرئيس باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه والحقول النفطية إذا لم يتم فتح مضيق هرمز أو التوصل لاتفاق سريع يضمن وقف كافة الأنشطة المهددة للاستقرار الإقليمي والدولي في المنطقة.
ويرى المطلعون على التقارير الاستخباراتية أن ارتباك ترمب ناتج في الأساس عن عجز الحكومة الإيرانية عن صياغة رد موحد بسبب انهيار قنوات الاتصال والتشاور بين أجنحة السلطة المختلفة. هذا الوضع يشبه إلى حد كبير ما واجهه المفاوضون في أزمات سابقة، حيث تأخذ الرسائل وقتاً طويلاً للتنقل بين المستويات القيادية المختبئة، مما يؤدي إلى ضياع الفرص الدبلوماسية المتاحة.
يبدو أن القيادة الإيرانية تعيش في عزلة جغرافية وسياسية تجعل من اتخاذ أي قرار مصيري مخاطرة كبرى قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من هيكل الدولة المتداعي تحت وطأة الحرب. وبين مطرقة الضغوط العسكرية الأمريكية وسندان التمرد الداخلي المحتمل، يبقى مستقبل إيران معلقاً على قدرة من تبقى من المسؤولين على تجاوز خلافاتهم العميقة قبل فوات الأوان والوصول للدمار الشامل.


















0 تعليق