بين النصر الجمهوري والتشكيك الديمقراطي.. هدنة إيران تشعل نيران الصراع في البيت الأبيض

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​ترددت أصداء إعلان هدنة إيران في أروقة الكونغرس الأميركي كعاصفة سياسية لم تهدأ، حيث انقسمت الآراء بين تشكيك ديمقراطي عميق في جوهر الاتفاق وجدوى العمليات العسكرية السابقة، وبين ترحيب جمهوري محدود يرى في الخطوة نصراً دبلوماسياً يعكس مهارة الرئيس دونالد ترمب في التفاوض مع الخصوم، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد في العاصمة واشنطن.

​حسب تقرير لوسائل إعلام دولية، فقد جاءت ردود الفعل الأولية لتعكس حجم الهوة بين الحزبين الكبيرين حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني الشائك، إذ يرى المعارضون أن التوصل إلى تهدئة في هذا التوقيت لا يعدو كونه محاولة لترميم التصدعات السياسية الداخلية، بينما يرى أنصار الإدارة أن الحزم العسكري هو الذي أجبر طهران على الجلوس.

​الهدوء الحذر الذي خيم على العاصمة بعد الإعلان لم يمنع القادة السياسيين من تبادل الاتهامات حول الأهداف الحقيقية من وراء هذه الحرب التي استمرت لأسابيع، حيث بدأت لجان العلاقات الخارجية في مراجعة دقيقة لكل بند من بنود الاتفاق المسرب، وسط تساؤلات عن الضمانات التي قدمتها طهران لواشنطن مقابل وقف إطلاق النار الذي أعلنه البيت الأبيض.

انتقادات الديمقراطيين وتكلفة الحرب الباهظة

​برزت السيناتورة جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، كأشرس المنتقدين للسياسة الحالية، حيث وصفت خفض التصعيد بأنه خطوة تأخرت كثيراً بعد شهر من القتال الذي افتقر لأهداف استراتيجية واضحة، مشددة على أن الشعب الأميركي هو من دفع الثمن من أمنه واقتصاده واستقرار حياته اليومية خلال الأسابيع الماضية.

​وطالبت شاهين في بيان رسمي بضرورة إجراء تقييم شامل لما حققته مغامرة ترمب العسكرية، معتبرة أن النتائج الميدانية تبدو مخيبة للآمال مقارنة بالخسائر البشرية والمادية، حيث أشارت إلى مقتل ثلاثة عشر عسكرياً أميركياً في المواجهات، بالإضافة إلى الاضطرابات العنيفة التي ضربت الاقتصاد العالمي وأدت إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة.

​وأوضحت السيناتورة الديمقراطية أن الإجراءات الأميركية لم تضعف النظام في طهران، بل أسهمت عملياً في تمكين الجناح الأكثر تشدداً، حيث برز ابن المرشد الأعلى ومسؤولون في الحرس الثوري لا يقلون خطورة عن سابقيهم كلاعبين أساسيين في المشهد الجديد، وهو ما يثير قلقاً بالغاً حول مستقبل المنطقة واحتمالية سعي طهران لامتلاك السلاح النووي.

​وتركز الخطاب الديمقراطي على أن الحرب لم تجعل الأميركيين أكثر أماناً، بل وضعتهم في مواجهة مباشرة مع أزمات معيشية حادة نتيجة تأثر سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يتناقض تماماً مع الرواية التي تحاول إدارة ترمب ترويجها حول تحقيق السيادة وحماية المصالح القومية من خلال القوة العسكرية المفرطة والتهديدات المستمرة ضد النظام الإيراني.

قانون إينارا وصراع الصلاحيات التشريعية

​في المقابل، اتسم موقف القيادات الجمهورية بالصمت المريب، باستثناء السيناتور ليندسي غراهام الذي أطلق تصريحات محملة بالتحذيرات المبطنة تجاه إدارة ترمب، فبينما كان غراهام من أكبر الداعمين للخيار العسكري، إلا أنه أبدى حذراً شديداً تجاه تفاصيل الاتفاق الجديد، مشيراً إلى احتمالية وجود تضليل أو تحريف في الحقائق المعروضة على الرأي العام.

​وأثار غراهام نقطة قانونية حساسة تتعلق بآلية مراجعة الاتفاق داخل الكونغرس، مذكراً الجميع بأن مجلس الشيوخ يمتلك صلاحيات قانونية للتدخل في مثل هذه الاتفاقيات، تماماً كما حدث مع الاتفاق النووي في عهد أوباما، وهو ما يفتح الباب أمام معركة تشريعية قد تعيق تنفيذ بنود هدنة إيران إذا رأى المشرعون أنها تضر بالأمن القومي.

​وتعود هذه الصلاحيات إلى قانون "إينارا" الذي أقر في عام ألفين وخمسة عشر، والذي يلزم الإدارة بعرض أي اتفاق يتعلق بالبرنامج النووي أو الترتيبات الأمنية الكبرى مع إيران على المشرعين، حيث يمنح القانون فترة مراجعة تتراوح بين ثلاثين إلى ستين يوماً، يمنع خلالها الرئيس من رفع أي عقوبات اقتصادية مفروضة على طهران.

​هذه البيئة التشريعية المعقدة تعني أن الكونغرس يمكنه التصويت بهدف وقف الاتفاق وليس فقط إبداء الرأي، مما يضع البيت الأبيض في موقف حرج أمام حلفائه وخصومه على حد سواء، حيث يتطلب تجاوز اعتراضات مجلس الشيوخ حشداً كبيراً للأصوات، وهو أمر يبدو صعب المنال في ظل الانقسامات الراهنة داخل صفوف الحزب الجمهوري نفسه.

تهديدات ترمب وتحركات العزل البرلمانية

​شعر الجمهوريون بنوع من الارتياح المؤقت بعد إعلان التهدئة، خاصة وأن الحرب تسببت في إحراج كبير لهم قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية، وذلك بعد تصريحات ترمب المثيرة للجدل حول تدمير حضارة بأكملها، وهي الكلمات التي وضعت المشرعين الجمهوريين في موقف دفاعي صعب أمام ناخبيهم وأمام المجتمع الدولي الذي أدان هذه اللغة التصعيدية.

​وانبرى عدد من النواب الجمهوريين، مثل نثانيال موران، للتبرؤ من هذه التصريحات، مؤكدين أن تدمير الحضارات ليس من المبادئ الأميركية التي وجهت السياسة الخارجية لعقود، بينما حذرت السيناتورة ليزا موركوفسكي من خطورة استخدام هذا الخطاب حتى كأداة ضغط تفاوضي، معتبرة إياه إساءة للقيم التي تأسست عليها الولايات المتحدة منذ قرنين ونصف.

​ولم يتوقف رد الفعل الديمقراطي عند حدود الانتقاد الكلامي، بل تجاوز ذلك إلى طرح بنود رسمية لعزل الرئيس من منصبه، حيث دعا أكثر من سبعين مشرعاً إلى تجريد ترمب من صلاحياته بسبب ما وصفوه بالتهديدات غير المسؤولة، مشككين في أهليته العقلية لقيادة البلاد في ظروف الحرب والسلم ومواجهة الأزمات الدولية المعقدة.

​ورغم أن هذه الجهود قد تصطدم بالأغلبية الجمهورية في بعض اللجان، إلا أن الديمقراطيين يسعون لفرض واقع سياسي جديد يقيد صلاحيات الرئيس في إعلان الحرب دون العودة للكونغرس، وهو مشروع قانون بدأ يحظى بدعم خجول من بعض الجمهوريين القلقين من انفراد البيت الأبيض بقرارات استراتيجية قد تجر البلاد إلى نزاع شامل ومستمر.

تمرد اليمين وتفعيل التعديل الدستوري

​المفاجأة الأكبر جاءت من "النيران الصديقة"، حيث شنت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، التي كانت يوماً من أقرب حلفاء ترمب، هجوماً لاذعاً طالبت فيه بتفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي، وانضم إليها في هذا المسعى أصوات يمينية كانت تعتبر من أعمدة الدعم الجماهيري للرئيس في حملاته الانتخابية السابقة والحالية.

​ويتيح التعديل الخامس والعشرون لنائب الرئيس وبموافقة أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه الرسمية، وهو إجراء دستوري جذري يتم اللجوء إليه فقط في حالات الضرورة القصوى عندما تصبح الحالة الذهنية أو الجسدية للقائد تشكل خطراً على استقرار الدولة ومؤسساتها الدستورية وقدرتها على القيام بواجباتها المنوطة بها.

​هذه الدعوات، وإن كانت تبدو مستبعدة التحقق في الوقت الراهن نظراً لولاء غالبية أعضاء الحكومة للرئيس، إلا أنها تعكس حجم الصدع الكبير داخل المعسكر اليميني، حيث بدأ البعض يشعر أن سياسات ترمب المتقلبة قد تؤدي إلى خسارة الحزب لمقاعده في الانتخابات القادمة، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي من التداعيات الاقتصادية للحرب.

​وتتزامن هذه الاضطرابات مع تسريبات صحفية كشفت عن وجود خلافات عميقة داخل الدائرة الضيقة للبيت الأبيض، حيث أفادت تقارير بأن نائب الرئيس جاي دي فانس كان من المعارضين السريين لقرار شن الحرب منذ البداية، مما يشير إلى وجود انقسام عميق في الرؤى الاستراتيجية بين الرئيس ونائبه حول كيفية إدارة ملف الشرق الأوسط.

انقسامات الإدارة ومستقبل السباق الانتخابي

​تعيش واشنطن حالياً حالة من الترقب، حيث يحاول البيت الأبيض احتواء التداعيات السياسية عبر الترويج لمكاسب هدنة إيران كإنجاز تاريخي، بينما يواصل الديمقراطيون حشد الرأي العام ضد ما يصفونه بـ "سياسة الحافة" التي ينتهجها ترمب، مؤكدين أن الاستقرار العالمي لا يمكن بناؤه على التهديدات العشوائية والاتفاقيات الهشة التي تفتقر للشفافية.

​ويرى المراقبون أن الصدعات داخل الإدارة الجمهورية قد تتسع مع اقتراب شهر نوفمبر، حيث يواجه المشرعون ضغوطاً من قواعدهم الانتخابية التي بدأت تئن تحت وطأة التضخم وارتفاع أسعار الوقود، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بالتوترات في منطقة الخليج واستقرار تدفقات الطاقة العالمية التي تأثرت بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الأخيرة.

​إن معركة الكونغرس القادمة لن تكون فقط حول بنود الاتفاق، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة ترمب على الحفاظ على تماسك حزبه، فبينما يرى البعض في الهدنة فرصة للتهدئة، يراها آخرون دليلاً على فشل الخيار العسكري في تحقيق تغيير حقيقي في سلوك النظام الإيراني الذي لا يزال يمثل تهديداً للمصالح الأميركية.

​في نهاية المطاف، ستبقى هدنة إيران نقطة تحول في المشهد السياسي الأميركي لعام ألفين وستة وعشرين، فإما أن تنجح الإدارة في تحويلها إلى ورقة رابحة تثبت حنكة الرئيس التفاوضية، أو تتحول إلى منصة ينطلق منها المعارضون لتقويض شرعيته السياسية والمضي قدماً في إجراءات قانونية ودستورية قد تغير ملامح القيادة في الولايات المتحدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق