صرح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بأنه يتوقع إجراء محادثات "إيجابية" مع إيران، في وقت تستعد فيه واشنطن وطهران لمفاوضات حاسمة في باكستان تهدف للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ أكثر من خمسة أسابيع.
ولكن في غضون ساعات قليلة، أثار محمد باقر قاليباف، أحد كبار القادة الإيرانيين في زمن الحرب، شكوكاً حول المحادثات، قائلاً إن طهران لن تشارك ما لم توافق إسرائيل على إنهاء هجومها ضد حزب الله في لبنان، وتوافق الولايات المتحدة على إلغاء تجميد الأصول الإيرانية المحتجزة في الخارج، حسبما أفادت صحيفة فايننشال تايمز.
وكتب قاليباف في منشور على منصة "إكس": "يجب تنفيذ هذين الأمرين قبل بدء المفاوضات". وشدد تحذير قاليباف على التحديات الهائلة التي تواجه المساعي الدبلوماسية، حيث من المقرر أن تبدأ المحادثات بين الخصمين اللذين يفتقران بشدة للثقة تجاه بعضهما البعض في إسلام آباد يوم السبت.
وتهدف المباحثات إلى البناء على هدنة هشّة لمدة 14 يوماً تم الاتفاق عليها هذا الأسبوع، لكن النزاعات حول شمول الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان ورفض إيران إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل - وهو هدف رئيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب - قد قوضت هذه الجهود.
وفد ترامب الرئاسي
ومع مغادرته إلى باكستان، قال فانس إنه إذا كان الإيرانيون مستعدين للتفاوض بحسن نية، "فنحن بالتأكيد مستعدون لمد يد العون"، لكنه حذر أيضاً من أنه "إذا حاولوا التلاعب بنا، فسيجدون أن فريق التفاوض ليس مستعداً للاستجابة".
وفي حال مضي هذه المحادثات رفيعة المستوى قدماً، سيكون فانس أرفع مسؤول أمريكي يشارك في مفاوضات مع إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وسينضم إليه مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، حيث تسعى واشنطن للضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل والموافقة على اتفاق بشأن برنامجها النووي.
تمثيل إيراني رفيع
ولم تؤكد إيران إرسال وفد، لكن مسؤولين باكستانيين قالوا إنهم يتوقعون أن يرأس فريقها قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهو مفاوض نووي مخضرم.
وإذا حضر قاليباف، وهو من التيار المحافظ المقرب من نخبة الحرس الثوري الإسلامي ويعتبر أيضاً براغماتياً، فسيكون أرفع شخصية إيرانية تشارك في مفاوضات مع الولايات المتحدة منذ عقود.
وستؤكد مشاركة قاليباف ستؤكد الأهمية التي يوليها النظام الإسلامي لهذه المحادثات، حيث يعتقد النظام أنه حقق اليد العليا في الحرب المستمرة منذ أكثر من خمسة أسابيع عبر إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة منشآت الطاقة في أنحاء الخليج، مما دفع أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
ومع ذلك، فقد تعرض النظام أيضاً لضربات مدمرة جراء آلاف الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي انهالت على الجمهورية، مما أسفر عن مقتل كبار قادتها، وتقليص قدراتها العسكرية بشكل كبير، وضرب قلب قاعدتها الصناعية. وسيكون النظام يائساً لتأمين تخفيف العقوبات في إطار تطلعه لإعادة الإعمار.
هدنة هشة ومتعثرة
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات هائلة بين الأطراف، وقد بدأت الهدنة التي استمرت أسبوعين بداية مهزوزة مع اختلاف التفسيرات والتوقعات بشأن ما تم الاتفاق عليه كأساس للمحادثات.
وساد ارتباك خاص بشأن خطة إيرانية مكونة من 10 نقاط قُدمت إلى ترامب عبر وسطاء باكستانيين، والتي قال الرئيس الأمريكي إنها "أساس صالح للعمل" من أجل المحادثات. ومع ذلك، بدا أن طهران وواشنطن تؤسسان اتفاقاتهما على نسخ مختلفة من الخطة.
ثم تصاعدت التوترات بعد أن شنت إسرائيل حملة قصف مكثفة ضد لبنان في اليوم التالي مع تصعيد صراعها مع حزب الله، الوكيل الأهم لإيران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 300 شخص.
وقالت إيران إن ذلك يمثل انتهاكاً لوقف إطلاق النار، مؤكدة أن لبنان كان من المفترض أن يُدرج في الهدنة. لكن إدارة ترامب — وإسرائيل — قالتا إن الأمر ليس كذلك، على الرغم من تصريح باكستان، الوسيط الرئيسي، علناً بأنه كان جزءاً من الترتيب.
ورداً على ذلك، قالت طهران إنها ستوقف عبور الناقلات عبر مضيق هرمز، مما دفع أسعار النفط للعودة إلى ما فوق 100 دولار للبرميل وأثار غضب ترامب.
كما ألمحت إلى رغبتها في الاستمرار في فرض رسوم على السفن التي تعبر الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو خمس نفط وغاز العالم.
إنذار ترامب لنتنياهو
ومع تهديد الهجمات الإسرائيلية على لبنان بتقويض الهدنة، اتصل ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأمره بتقليص الهجمات ضد حزب الله.
وعقب الاتصال، صرح نتنياهو بأنه فوض إسرائيل ببدء محادثات مع لبنان. ومع ذلك، استمر تبادل إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية وحزب الله يومي الخميس والجمعة، رغم عدم وقوع غارات على بيروت. وقصفت إسرائيل مجمعاً للمباني الحكومية المحلية في مدينة النبطية الجنوبية يوم الجمعة، مما أسفر عن مقتل 11 عضواً على الأقل من قوات الأمن الحكومية. وصرح دبلوماسي مطلع على المحادثات بأن عدم رد إيران عسكرياً على القصف الإسرائيلي للبنان يشير إلى أنها لا تزال ترغب في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. وقال الدبلوماسي: "كانت هذه فرصة لهم لإنهاء الهدنة، لقد كان الاختبار الأكبر. لكن هناك خطر كبير بأنه إذا لم تنجح المحادثات، فقد نعود إلى الحرب. إنه وقت خطير للغاية الآن".
ومن جانبه، أبدى المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر أو يُسمع صوته علناً منذ ما قبل اندلاع الحرب، دعمه الحاسم للمحادثات في بيان صدر يوم الخميس؛ حيث حث أنصاره على مواصلة الاحتشاد في الميادين الرئيسية، واصفاً هذه المرحلة بأنها "وقت الصمت في ساحة المعركة" بينما تنخرط البلاد في "محادثات مع العدو".
مقايضة النووي بالمليارات
وبالإضافة إلى الضغط على إيران للسماح بالتدفق الحر للملاحة عبر مضيق هرمز، كان من المتوقع أن يضغط الفريق الأمريكي على إيران للتخلي عن قدرتها على تخصيب اليورانيوم والموافقة على تخفيف مخزونها البالغ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بمستويات قريبة من درجة إنتاج الأسلحة.
وصرح ترامب هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة ستعمل مع إيران لإزالة كل "الغبار" النووي "المدفون بعمق" في الجمهورية، وكان يناقش مسألة تخفيف العقوبات.
ولكن طهران تريد أيضاً من الولايات المتحدة إلغاء تجميد عشرات المليارات من أموال نفطها المحتجزة في الخارج في إطار سعيها لإعادة الإعمار وإدارة الضغوط الاجتماعية المتزايدة داخل الجمهورية. كما يمثل إصرارها على أن يكون لبنان جزءاً من وقف إطلاق النار ووقف إسرائيل لهجماتها ضد حزب الله مطلباً رئيسياً.
وكان حزب الله المدعوم من إيران قد بدأ بإطلاق الصواريخ على إسرائيل تضامناً مع طهران بعد مقتل المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي في غارات جوية.
وتجدر الإشارة إلى أن النظام الإسلامي وواشنطن لم يعقدا محادثات ثنائية مباشرة من قبل؛ إذ أجرى الرئيس السابق حسن روحاني مكالمة هاتفية مع باراك أوباما بعد إبرام إيران لاتفاق نووي مع الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى في عام 2015، وهو الاتفاق الذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى.








0 تعليق