من سهيل 1 إلى سهيل 3.. مسار استراتيجي طويل حول قطر إلى لاعب مؤثر في الاتصالات الفضائية

الشرق السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

محليات

78

06 يوليو 2026 , 12:35م

الدوحة - قنا

انتقلت دولة قطر خلال 13 عاما فقط من الاعتماد على مشغلي الأقمار الصناعية الخارجيين إلى بناء منظومة فضائية متكاملة تقودها شركة /سهيل سات/، التي أصبحت اليوم من أبرز الشركات في قطاع الاتصالات الفضائية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

هذا التحول لم يكن مجرد مشروع تقني محدود، بل مسار استراتيجي طويل بدأ بإطلاق القمر الصناعي الأول /سهيل-1/ عام 2013، وصولا إلى الإعلان عن القمر الجديد عالي الإنتاجية /سهيل-3/ تركسات-بيروني/، في خطوة تعكس انتقال الشركة إلى جيل أكثر تقدما من الاتصالات الفضائية وقدرات التغطية العالمية، وترسخ موقع قطر كلاعب مؤثر في صناعة الفضاء إقليميا ودوليا.

وخلال هذه الرحلة، لم تكتف /سهيل سات/ بتوسيع أسطولها الفضائي ليشمل قمرين صناعيين يعملان من الموقعين المداريين 25.5 و26 درجة شرقا، بل نجحت في إقامة بنية تحتية أرضية متطورة، وعقد شراكات دولية واسعة، ونقل خبرات تقنية متقدمة إلى كوادر وطنية أصبحت جزءا أساسيا من تشغيل وإدارة المنظومة الفضائية.

وبين البدايات الأولى والطموحات الحالية، تتكشف قصة صعود سريع جعل من سهيل سات نموذجا لنجاح الاستثمار في الفضاء كأحد أعمدة الاقتصاد الحديث، ومؤشرا على تحول قطر إلى لاعب مؤثر في صناعة الأقمار الصناعية إقليميا ودوليا.

وفي هذا السياق، أكد السيد عبد الله الخاطر، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن دولة قطر نجحت في بناء منظومة متقدمة في قطاع الفضاء والاتصالات انطلقت من تطوير البنية التحتية الوطنية وصولا إلى مشاريع أقمار صناعية عززت استقلالية الدولة التقنية، وأوضح أن هذا النمو أسهم في تعزيز ثقة المستثمرين والمستهلكين، ورسخ مكانة قطر كبيئة جاذبة للاستثمارات التكنولوجية المتقدمة، ومهد الطريق أمامها للتوسع في مجالات الاقتصاد الفضائي.

وقال إن هذا المسار كان جزءا من رؤية استراتيجية شاملة ترتكز على تنويع الاقتصاد وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، بما يتماشى مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، حيث أصبح قطاع الاتصالات والفضاء أحد المحاور الداعمة للتحول الرقمي في الدولة.

وأشار إلى أن قطر دخلت فعليا مجال الفضاء عبر مشاريع أقمار صناعية متقدمة، أبرزها برنامج الأقمار الصناعية الوطني من خلال شركة "سهيل سات"، والتي أسهمت في تعزيز قدرات البث والاتصالات الفضائية، وترسيخ استقلالية البنية التحتية الفضائية للدولة.. مبينا أن إطلاق وتشغيل أقمار مثل "سهيل سات" يعكس انتقال قطر من مرحلة الاعتماد على الخدمات الخارجية إلى مرحلة امتلاك وتشغيل تقنيات فضائية متقدمة.

وأضاف الخاطر أن قطر لم تقتصر على البنية الوطنية فقط، بل واكبت أيضا التحولات العالمية في قطاع الاتصالات الفضائية، بما في ذلك تطور شبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار مثل شبكة SpaceX (ستارلينك)، ما يعزز من فهم الدولة للتوجهات المستقبلية في هذا القطاع وإمكانية الاستفادة منها.

وختم الخاطر تصريحه لـ/قنا/ بأن هذا التقدم المتكامل في قطاع الاتصالات والفضاء يعزز موقع قطر كمركز إقليمي متقدم في الاقتصاد الرقمي والفضائي، ويدعم قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات النوعية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والابتكار.

وتأسست شركة سهيل سات عام 2010 برأسمال يقدر بنحو 4.18 مليار ريال قطري، بهدف تحقيق استقلالية دولة قطر في خدمات البث الفضائي والاتصالات، ضمن رؤية استراتيجية ترتكز على تنويع الاقتصاد الوطني وبناء قطاع تقني متقدم قائم على المعرفة والابتكار.

ومنذ البداية، لم يكن الهدف مجرد امتلاك قمر صناعي، بل بناء منظومة متكاملة تشمل التصنيع، والإطلاق، والتشغيل، وإدارة السعات الفضائية، وتطوير الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة هذا القطاع الحيوي.

وفي هذا الإطار، اتجهت الشركة إلى الشراكات الدولية لنقل المعرفة وبناء القدرات، حيث تم تصنيع القمر الصناعي الأول سهيل-1 بالتعاون مع شركة SSL الأمريكية، فيما تولت شركة Arianespace الفرنسية مهمة إطلاقه من قاعدة كورو الفضائية في غويانا الفرنسية، وهو ما عكس منذ البداية اعتماد نهج يجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وبناء الخبرة الوطنية.

وفي 29 أغسطس 2013، دخلت قطر رسميا عصر الفضاء بإطلاق القمر /سهيل-1/ إلى الموقع المداري 25.5 درجة شرقا، في حدث شكل نقطة تحول محورية في تاريخ الاتصالات الفضائية في الدولة. فقد وفر القمر تغطية واسعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفتح الباب أمام قطر لتصبح مركزا إقليميا للبث الفضائي، بعد أن كانت تعتمد على مشغلين خارجيين لتقديم هذه الخدمات.

ومع دخول القمر الخدمة التجارية في ديسمبر 2014، بدأت ملامح النمو الحقيقي في الظهور، حيث أصبح سهيل-1 منصة رئيسية لبث عدد من أبرز الشبكات الإعلامية في المنطقة والعالم، وفي مقدمتها beIN SPORTS وشبكة الجزيرة الإعلامية، إلى جانب عشرات القنوات العربية والدولية. وقد أسهم ذلك في تعزيز مكانة قطر كمركز رئيسي للبث الفضائي، ورسخ حضورها في سوق الإعلام الفضائي الإقليمي.

وبالتوازي مع نجاح التشغيل الأول، عملت "سهيل سات" على تطوير بنيتها التشغيلية والتجارية، فحصلت على رخصة تشغيل خدمات شبكات الاتصالات الفضائية، وأنشأت مركزا متطورا لإدارة السعات الفضائية في الدوحة يعمل على مدار الساعة لمراقبة الإشارات وإدارة الخدمات وحماية البث من التشويش. كما بدأت في بناء شبكة علاقات تجارية واسعة مع مؤسسات إعلامية وشركات اتصالات إقليمية ودولية، ما أسهم في تنويع مصادر دخلها وتوسيع قاعدة عملائها.

وفي عام 2018، دخلت الشركة مرحلة جديدة من التطور مع إطلاق القمر الصناعي سهيل-2 على متن صاروخ Falcon 9 التابع لشركة SpaceX الأمريكية، ليتمركز في الموقع المداري 26 درجة شرقا. وقد مثل هذا القمر نقلة نوعية في القدرات التقنية، حيث أضاف سعات أكبر لنقل البيانات، وحسن من كفاءة الطاقة، ورفع مستوى مقاومة التشويش، ما عزز من قدرة الشركة على تلبية الطلب المتزايد على خدمات الاتصالات والبث في المنطقة.

ومع دخول سهيل-2 الخدمة التجارية في عام 2019، أصبحت "سهيل سات" تمتلك أسطولا مكونا من قمرين صناعيين يعملان بصورة تكاملية من الموقعين المداريين 25.5 و26 درجة شرقا، ويقدمان خدمات متنوعة عبر نطاقي Ku-band وKa- band. ولم يعد دور الشركة مقتصرا على البث التلفزيوني، بل توسع ليشمل حلول اتصالات متكاملة، مثل الإنترنت عالي السعة، والاتصالات الحكومية، وخدمات الشبكات المؤسسية، والاتصالات البحرية والجوية، إضافة إلى خدمات VSAT التي أصبحت من الركائز الأساسية في أعمالها.

 

وفي موازاة هذا التوسع الفضائي، استثمرت الشركة بشكل كبير في تطوير بنيتها التحتية الأرضية، حيث أنشأت محطة أرضية متقدمة في الدوحة تمتد على مساحة تقارب 50 ألف متر مربع، وتعد من بين الأكثر تطورا في الشرق الأوسط من حيث التصميم والتقنيات المستخدمة. وتوفر هذه المحطة خدمات التحكم بالأقمار الصناعية (TT&C)، وإدارة السعات، والبث الاحتياطي، وخدمات الإرسال والرفع، إضافة إلى حلول إدارة المحتوى والاتصالات المؤسسية. كما حصلت المحطة على تصنيف Tier IV العالمي، وهو أعلى تصنيف في مجال الاعتمادية التشغيلية، ما يعكس مستوى الجاهزية التقنية العالية التي تتمتع بها البنية التحتية القطرية في هذا المجال.

ومع تطور السوق العالمية في قطاع الاتصالات الفضائية، بدأت سهيل سات في التوسع نحو نماذج أعمال أكثر تقدما تعتمد على الرقمنة وإدارة السعات الذكية، إلى جانب إدخال خدمات جديدة مثل منصات البث المتكامل وخدمات جمع الأخبار الرقمية عبر الأقمار الصناعية، وحلول الربط المؤسسي المتقدم. كما وسعت الشركة نطاق شراكاتها الدولية مع عدد من أبرز الشركات العالمية مثل Viasat وMarlink وNilesat، بهدف تعزيز انتشار خدماتها في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وآسيا.

وعلى الصعيد التقني، تعتمد الشركة على تقنيات متقدمة في نطاقي Ku-band وKa-band، ما يمنحها قدرة عالية على تقديم خدمات بث فائقة الجودة تصل إلى تقنيات Ultra HD، إلى جانب خدمات الإنترنت واسع النطاق والاتصالات البحرية والجوية. وقد ساعد هذا التنوع في جعل سهيل سات لاعبا رئيسيا في سوق الاتصالات الفضائية الإقليمي، مع توسع تدريجي في حضورها الدولي عبر شراكات استراتيجية متعددة.

كما أولت الشركة منذ تأسيسها اهتماما كبيرا ببناء الكفاءات الوطنية، حيث أطلقت برامج تدريب متخصصة للمهندسين القطريين بالتعاون مع شركات تصنيع الأقمار الصناعية العالمية، بهدف نقل المعرفة وتوطين الخبرات. وقد أسهم هذا النهج في تخريج جيل من الكفاءات القادرة على تشغيل وإدارة الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية والأنظمة التشغيلية، ما عزز استقلالية الشركة واستدامتها التقنية.

وفي خطوة وصفت بأنها الأكبر في تاريخ الشركة، أعلنت سهيل سات عن توقيع شراكة استراتيجية مع شركة Türksat التركية، إلى جانب عقد مع شركة Thales Alenia Space الفرنسية لتصميم وتصنيع القمر الصناعي الجديد سهيل-3/تركسات-بيروني. ويعد هذا المشروع أكبر استثمار استراتيجي منذ تأسيس الشركة عام 2010، ويجسد مرحلة جديدة من التوسع في القدرات الفضائية.

وسيعتمد القمر الجديد على تقنية Ka-band، ويتمركز في الموقع المداري 50 درجة شرقا، مع قدرات متقدمة لإدارة السعات بشكل ديناميكي وتغطية واسعة تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى وجنوب الصحراء الأفريقية والمناطق البحرية المحيطة. ومن المتوقع أن يقدم خدمات متقدمة تشمل الاتصالات الحكومية، والاتصالات المتنقلة، وخدمات الطيران والاتصالات البحرية، إضافة إلى دعم قطاعات الطاقة والنفط والغاز، بما يعكس تحولا نوعيا في طبيعة خدمات الشركة مقارنة بالأجيال السابقة.

وأكد السيد علي أحمد الكواري، الرئيس التنفيذي لشركة سهيل سات، في تصريحات سابقة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن تكلفة المشروع تبلغ نحو 295 مليون ريال قطري، وأن تنفيذه يستغرق ما بين ثلاث إلى أربع سنوات، على أن يدخل الخدمة بحلول عام 2030، مشيرا إلى أن القمر الجديد يمثل استجابة مباشرة للنمو المتزايد في الطلب العالمي على خدمات الاتصالات الفضائية، ويعزز موقع قطر كمركز إقليمي ودولي في هذا القطاع الحيوي.

وبهذا المسار الممتد لأكثر من خمسة عشر عاما، تتحول سهيل سات من مشروع وطني ناشئ إلى منظومة فضائية متكاملة تدير بنية تحتية متقدمة وتنافس في سوق عالمي شديد التغير. ومع دخولها مرحلة الجيل الجديد من الأقمار الصناعية، لم يعد الهدف مجرد التوسع التقني، بل بناء منظومة اتصالات فضائية متكاملة تدعم الاقتصاد الوطني، وتكرس مكانة قطر كمركز إقليمي ودولي في صناعة الفضاء والاتصالات.

أخبار ذات صلة

مساحة إعلانية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق