محليات
4
الدوحة - موقع الشرق
كشفت تقارير أممية حديثة عن اتساع ظاهرة الرقابة الذاتية بين الصحفيين حول العالم، في ظل تصاعد أربعة قيود رئيسية تدفعهم إلى الحد من إنتاجهم المهني، أو تجنب تناول بعض القضايا الحساسة، تشمل الضغوط القانونية والسياسية والاجتماعية والرقمية.
وأكدت التقارير أن الرقابة الذاتية لم تعد سلوكاً مهنياً استثنائياً، بل أصبحت واقعاً متزايداً يؤثر في قرارات النشر، واختيار الموضوعات، وطريقة معالجتها، بما ينعكس على حرية العمل الصحفي، وجودة المحتوى الإعلامي.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ارتفعت نسبة الصحفيات اللاتي أفدن بممارسة الرقابة الذاتية على وسائل التواصل الاجتماعي من 30% عام 2020 إلى 45% عام 2025، فيما أكدت 22% منهن أنهن مارسن هذا النوع من الرقابة في سياق عملهن المهني المباشر.
وأشار 19% من الصحفيين إلى أنهم أصبحوا يحدّون من إنتاجهم المهني، أو يعدلون محتواه بسبب العنف الرقمي، وما يرافقه من حملات إساءة أو تهديد أو مضايقات عبر الإنترنت.
وتشير البيانات كذلك إلى تزايد لجوء الصحفيات والعاملات في المجال الإعلامي إلى المسارات القانونية لمواجهة الانتهاكات الرقمية، إذ ارتفعت نسبة من أبلغن سلطات إنفاذ القانون عن حوادث العنف عبر الإنترنت إلى 22% في عام 2025، مقارنة بعام 2020، بينما ارتفعت نسبة اللاتي اتخذن إجراءات قانونية ضد الجناة أو المتواطئين معهم إلى نحو 14%، مقابل 8% قبل خمس سنوات، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية المساءلة القانونية وعدم الإفلات من العقاب.
وترتبط ظاهرة الرقابة الذاتية، وفقاً للتقارير الدولية، بأربعة عوامل رئيسية أصبحت تشكل أبرز القيود التي تواجه العمل الصحفي. ويتمثل العامل الأول في الضغوط القانونية، وما يرتبط بها من مخاوف الملاحقة القضائية أو العقوبات، الأمر الذي يدفع بعض الصحفيين إلى تجنب تناول قضايا معينة أو تخفيف حدة الطرح.
أما العامل الثاني فيتمثل في الضغوط السياسية التي قد تتعرض لها المؤسسات الإعلامية أو الصحفيون، بما يؤثر في استقلالية التغطية واختيار الموضوعات.
ويبرز العامل الثالث في العنف الرقمي، الذي يشمل حملات التشهير والتهديد والتحرش عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي ممارسات أصبحت تشكل تحدياً متزايداً، خاصة بالنسبة للصحفيات.
ويتجسد العامل الرابع في الضغوط الاجتماعية وردود الفعل العامة، إذ تدفع حالة الاستقطاب في بعض المجتمعات عدداً من الصحفيين إلى استخدام لغة أكثر تحفظاً أو تجنب الملفات المثيرة للجدل، خشية التعرض لهجمات واسعة أو حملات تشويه تستهدفهم على المستويين المهني والشخصي.
وتؤكد اليونسكو أن التهديدات التي تواجه الصحفيين لا تقتصر على الفضاء الرقمي، بل تشمل أيضاً الاعتداءات الجسدية، والاحتجاز التعسفي، والمضايقات الميدانية، والضغوط القانونية، وهي عوامل مجتمعة تسهم في تضييق هامش العمل الصحفي،وتقليص القدرة على إنتاج تغطيات مستقلة ومتعمقة.
وينعكس اتساع الرقابة الذاتية بصورة مباشرة على طبيعة المحتوى الإعلامي، إذ يؤدي إلى تراجع المواد النقدية والاستقصائية، وتقليص تناول قضايا الفساد والانتهاكات وحقوق الإنسان، كما يحد من تنوع الآراء والمصادر داخل وسائل الإعلام، ويمنح الروايات الرسمية أو الأقل إثارة للجدل مساحة أوسع في المجال العام.
وتحذر اليونسكو من أن هذا المسار يرتبط بتراجع أوسع في مؤشرات حرية التعبير عالمياً، إذ انخفض المؤشر العالمي لحرية التعبير بنحو 10% منذ عام 2012، في حين ارتفعت الرقابة الذاتية بين الصحفيين بنسبة 63% خلال الفترة نفسها.
وترى المنظمة أن تراكم الضغوط القانونية والسياسية والرقمية بات يؤثر بصورة واضحة في البيئة المهنية التي يعمل فيها الصحفيون، وفي قدرتهم على أداء دورهم في مساءلة المؤسسات وإطلاع الجمهور على المعلومات.
وتواجه الصحافة في مختلف دول العالم تحديات متزايدة، إلا أن طبيعة هذه الضغوط تختلف باختلاف البيئات السياسية والقانونية.
ففي العديد من الدول، تبرز الضغوط القانونية والرقمية والاقتصادية باعتبارها أبرز العوامل المؤثرة في حرية العمل الصحفي، إلى جانب تصاعد حملات التضليل الإلكتروني، والاستهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي، والملاحقات القضائية، فضلاً عن المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون أثناء تغطية النزاعات والكوارث والأحداث الأمنية.
وتشير تقارير اليونسكو إلى أن هذه الضغوط لم تعد تقتصر على مناطق النزاعات أو الدول التي تشهد اضطرابات، بل امتدت إلى دول تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقرار، حيث تطورت أساليب التضييق من المنع المباشر إلى وسائل أكثر تعقيداً، تعتمد على الضغوط القانونية والاقتصادية والرقمية، وهو ما يدفع كثيراً من الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية خشية التعرض للمساءلة أو حملات التشهير.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق