عربي ودولي
26
رام الله - قنا
تشهد الضفة الغربية منذ مطلع العام الجاري تصاعدا غير مسبوق في عمليات التجريف واقتلاع الأشجار وتدمير مصادر المياه، بالتزامن مع توسع المشاريع الاستعمارية وشق الطرق، الأمر الذي يطال الأراضي الزراعية والغطاء النباتي في عدد من المحافظات.
ولا تقتصر آثار التجريف على الأراضي التي تطالها الجرافات مباشرة، بل تمتد إلى مساحات زراعية أخرى نتيجة تدمير الآبار وقطع خطوط المياه ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بما يهدد قدرتها على الإنتاج ومصادر رزق المزارعين.
جنين.. تجريف واسع للأراضي الزراعية
تشهد محافظة جنين شمالي الضفة الغربية منذ عدة أشهر عمليات تجريف واسعة طالت أراضي زراعية وأشجارا مثمرة في عدة قرى، ولا تزال متواصلة.
ففي قرية زبوبا غربا، فقد المزارع منير أبو بكر نحو 50 دونما من أراضيه، كانت مزروعة بأشجار الزيتون ومحاصيل خضرية مروية وبعلية، إضافة إلى تدمير بئر مياه ارتوازية.
ويقول أبو بكر، وهو واحد من 50 مزارعا طالت عمليات التجريف أراضيهم وأشجارهم: إن الأرض كانت مصدر دخله الوحيد لإعالة أسرته المكونة من سبعة أفراد.
ويضيف أن ما يجري في القرية "يشبه الخيال"، فمن ينظر إليها اليوم يصعب عليه تصديق التغيرات الكبيرة التي أحدثتها جرافات الاحتلال بحق أشجارها وغطائها الزراعي الذي بدأ يتلاشى.
ويصف رئيس المجلس القروي في زبوبا زكي جرادات ما يجري بأنه "مجزرة بحق الأراضي الزراعية"، مشيرا إلى أن استهداف الأراضي بدأ، قبل نحو ثلاثة أعوام بمنع المزارعين من الوصول إلى مساحات واسعة منها وإعلانها مناطق عسكرية مغلقة، خاصة المحاذية لجدار الفصل العنصري.
وأضاف أن عمليات التجريف واقتلاع الأشجار بدأت قبل نحو عام، وتصاعدت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، قائلا: إنه لا يكاد يمضي أسبوع من دون تدمير أراضٍ زراعية أو اقتلاع أشجار زيتون.
ولا يعد ما يحدث في زبوبا اليوم من استهداف واسع لأشجارها وأراضيها الزراعية أمرا جديدا، وفقا لجرادات، فالقرية فقدت على مدار عقود مساحات واسعة من أراضيها الزراعية. فخلال نكبة عام 1948، فقدت القرية آلاف الدونمات، ثم فقدت المزيد بعد احتلال عام 1967 نتيجة "تعديل مسار الحدود". كما أن معسكر سالم الاحتلالي يلتهم مساحات واسعة من أراضيها، فضلا عن جدار الفصل والتوسع العنصري الذي بُني خلال عام 2002 وأحاط بالقرية من ثلاث جهات.
ومع كل هذه المراحل، كانت زبوبا تفقد مساحات واسعة من أراضيها وأشجارها وغطائها الزراعي لصالح مشاريع استعمارية.
وتشير إحصائيات المجلس القروي إلى تجريف نحو 500 دونم خلال العام الأخير، بينها نحو 300 دونم مزروعة بأشجار الزيتون وتضم قرابة ثلاثة آلاف شجرة، بعضها حديث الزراعة وبعضها يزيد عمره على مئة عام، فيما لا تزال عمليات التجريف متواصلة بين الحين والآخر.
كما تشير معطيات محافظة جنين إلى تجريف أكثر من 500 دونم مزروعة بأشجار الزيتون في عدة قرى منذ نهاية عام 2025 وحتى الآن، فيما يتضاعف الرقم عند احتساب الأراضي المزروعة بمحاصيل أخرى. وخلال شهر تموز الماضي وحده، اقتلعت سلطات الاحتلال 1051 شجرة زيتون.
وما يجري في قرى جنين خلال الأشهر الأخيرة ينسحب على عشرات البلدات والقرى في محافظات الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها.
من منع المزارعين إلى تجريف الأرض:
يرى الباحث الميداني في مركز أبحاث الأراضي رائد موقدي أن الضفة الغربية تشهد "أكبر هجمة استعمارية في تاريخها منذ عام 1967"، تتزامن مع تدمير واسع للغطاء النباتي والزراعي.
ويشير إلى أن الاستهداف يشمل معظم محافظات الضفة الغربية، إلا أن محافظة جنين شهدت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة أكبر هذه الهجمات.
ويقول: إن الاستهداف لا يقتصر على تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار، بل يشمل تغيير الواقع النباتي والبيئي، بالتزامن مع إقامة مستعمرات وربطها وشق طرق استعمارية أو توسيع الطرق القائمة.
ويشير موقدي إلى إقامة مستعمرة "عيمك دوتان" قبل نحو ثلاثة أشهر على مساحة 72 دونما من أراضي المواطنين في بلدة عرابة، وإلى مخطط لإنشاء طريق استعماري يبدأ من مستعمرة "ترسلة" جنوب جنين وتصل إلى منطقة دير شرف في محافظة نابلس، وهما يهددان الحياة الزراعية والغطاء النباتي في المنطقة.
وتهدد الطريق، بحسب موقدي، أراضي قرى عجة وصانور وسيلة الحارثية وعطارة ودير شرف وسبسطية وبرقة، فيما يمر مسارها عبر حقول زراعية واسعة.
ولا تقتصر آثار الطرق على المساحات التي تقتطعها، إذ تؤدي إلى عزل أجزاء من الأراضي وتقييد وصول المزارعين إليها.
ويشير موقدي إلى أن قرى غرب جنين تتعرض أيضا، بشكل خاص في الآونة الأخيرة، للاستهداف عبر أوامر عسكرية تحول مساحات واسعة من أراضيها المحاذية لجدار الفصل العنصري إلى مناطق عسكرية، تليها عمليات تجريف وتدمير للأراضي الزراعية التي تتعرض "لاستهداف مخيف".
وأكد أن عمليات الاستهداف بالأوامر العسكرية وتجريف الأراضي تشمل أيضا بشكل متصاعد مؤخرا أراضي في محافظة نابلس من شمالها إلى جنوبها، بما يشمل قرى بورين ومادما وعصيرة والساوية وبيتا وعقربا وسبسطية.
وأوضح أن الاستهداف يمر بعدة مراحل تبدأ بمنع المزارعين من الوجود في المناطق المحاذية للجدار أو الطرق الاستعمارية، ثم تحويلها إلى مناطق معزولة ومغلقة عسكريا، يلي ذلك تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار وتدمير المحاصيل، تمهيدا لتوسيع الطرق الالتفافية والمستعمرات.
وأشار إلى توثيق عمليات توسيع طرق ومشاريع استعمارية خلال الأشهر الأخيرة في محافظة سلفيت على أراضي قرى اسكاكا وياسوف وكفل حارس، بالتزامن مع رصد سلطات الاحتلال ملايين الدولارات لتوسعة البنية التحتية للمستعمرات في الضفة الغربية.
ويرى موقدي أن هذه السياسات، إلى جانب ضربها اقتصاد المزارعين وتحويل أراضيهم إلى مناطق منكوبة، تؤدي إلى تدمير الغطاء النباتي والزراعي والبيئة في الضفة، خاصة أنها تتداخل مع إجراءات أخرى تشمل استيلاء سلطات الاحتلال والمستعمرين على الينابيع ومصادر المياه، خاصة في الأغوار، إضافة إلى تلويث البيئة الفلسطينية بالمياه العادمة الخارجة من المستعمرات.
"الخيط القرمزي".. تجفيف 30 ألف دونم في سهل البقيعة
تشهد محافظة طوباس والأغوار الشمالية، منذ مطلع العام الجاري، استهدافا للغطاء الزراعي والنباتي، خاصة في عاطوف وسهل البقيعة شرقي طوباس، حيث شرعت سلطات الاحتلال بتنفيذ مشروع "الخيط القرمزي" الاستعماري، لشق طريق عسكري وإقامة جدار فاصل بطول 22 كيلومترا، يمتد من قرية عين شبلي إلى حاجز تياسير العسكري.
وأدت عمليات التجريف المتواصلة منذ مطلع العام إلى تدمير آلاف الدونمات الزراعية وجفافها في عاطوف وسهل البقيعة، الذي يعد من أخصب سهول الضفة الغربية ويوصف بأنه سلة غذاء فلسطين.
المزارع سعد بشارات، الذي يملك 120 دونما مزروعة بمحاصيل خضرية متنوعة، فقد محاصيله بعد انقطاع المياه عنها جراء تجريف خطوط الري.
ويتساءل: "من كان يتخيل أن سهل البقيعة المعروف بمحاصيله الوفيرة وأراضيه الخضراء على مدار العام سيتحول إلى أرض جافة قاحلة؟".
ويشير رئيس المجلس القروي في عاطوف عبد الله بشارات إلى أن عمليات التجريف دمرت مئات الدونمات المزروعة بالأشجار والمحاصيل في عاطوف، وأن الضرر امتد إلى أراضٍ لم تطل إليها الجرافات مباشرة نتيجة قطع مصادر المياه التي تعتمد عليها.
وأوضح أن قطع خطوط المياه الرئيسية أدى إلى جفاف محاصيل قرابة 30 ألف دونم، أي ثلث مساحة السهل البالغة 96 ألف دونم.
وأضاف أن سلطات الاحتلال هدمت خلال الشهر الأخير ثلاث آبار مياه ارتوازية كانت تغذي 7500 دونم من الأراضي الزراعية، فيما يهدد المصير ذاته المزيد من الآبار.
59 أمرا عسكريا لإزالة الغطاء الشجري منذ مطلع العام:
وفي أحدث المعطيات، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نهاية الأسبوع الماضي، عن إصدار سلطات الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية وفق مسمى "اتخاذ وسائل أمنية"، نصت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316.636 دونم.
وتركزت ستة أوامر في محافظة جنين بمساحة 310.868 دونمات، بما يعادل 98.18% من المساحة الكلية، فيما استهدف أمر واحد 3.716 دونمات من أراضي زواتا في نابلس، واستهدف الأمر 85/26 مساحة 2.052 دونم من أراضي جبع شمال القدس.
ويوضح تقرير الهيئة أن أوامر جنين تتركز على امتداد شارعي 585 و60، من الأراضي الواقعة بين يعبد وعرابة، مرورا بمداخل عرابة الشرقية، وصولا إلى المنطقة الواقعة بين عجة وعنزة، بما يلحق أضرارا بأشجار الزيتون والأراضي الزراعية المحاذية للطرق.
وبحسب التقرير، يقع الأمر 85/26 في قرية جبع شمال القدس، جنوب شرق البلدة، عند دوار جبع وعلى مقربة من شارع 60 والطريق المؤدي إلى مستعمرة "جفعات بنيامين/آدم". واستهدف الأمر 2.052 دونم، ومنح أصحاب الأراضي 24 ساعة لإزالة النباتات واقتلاع أشجار الزيتون.
وأوضحت الهيئة أن مجموع الأوامر الصادرة منذ مطلع عام 2026 بلغ 59 أمرا لإزالة الطبقة الشجرية، تستهدف، وفق المجموع الحسابي للمساحات الواردة فيها، 2480 دونما من أراضي المواطنين.
كما وثق تقرير انتهاكات الاحتلال والمستعمرين نصف السنوي الصادر عن الهيئة اقتلاع 45195 شجرة في الضفة الغربية منذ مطلع العام الجاري أو الاعتداء عليها.
وأشار بيان مشترك صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة جودة البيئة خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي إلى تسجيل 685 انتهاكا بيئيا في الضفة الغربية خلال عام 2025، مقارنة بـ535 انتهاكا عام 2024، فيما سجل حتى نهاية نيسان/ إبريل العام الجاري، 310 انتهاكات.
وتنوعت الانتهاكات بين تجريف الأراضي الزراعية وإتلاف الأشجار وتصريف المياه العادمة وإلقاء النفايات وأضرار البنية التحتية، ما أدى إلى تدهور النظم البيئية وتهديد استدامة الموارد الطبيعية.
ويتزامن هذا التدمير في الضفة الغربية مع تدمير واسع للبيئة والغطاء النباتي والزراعي في قطاع غزة خلال حرب الإبادة المتواصلة.
ووفق تقرير حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، حتى نهاية حزيران/ يونيو 2025، دمر العدوان الإسرائيلي نحو 86% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة نتيجة القصف والتجريف وتحرك الآليات العسكرية، فيما بلغت نسبة التدمير في شمال غزة 94%، ما يشكل تهديدا مباشرا وخطيرا للأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة في القطاع.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق