ثقافة وفنون
2
أعمالها تربط الإنسان ببيته وهويته..
الفنانة التشكيلية أمل العاثم
❖ أجرى الحوار- طه عبدالرحمن
- تجربتي الفنية انطلقت من الهوية وانفتحت على التجريب
- الفنان القطري أمام فرص واسعة لبناء حضور مستدام
- المعارض الشخصية بحاجة إلى دعم من المؤسسات المعنية
- علاقتي بالفن مشروع حياة قائم على البحث والتجديد
- التجريب والهوية مساران متلازمان في تجربتي الفنية
- أحب التجدد دائماً وأسعى إلى استباق التطور
- أتمسك بالأصالة وأبحث عن لغة فنية معاصرة
تُعد الفنانة التشكيلية أمل العاثم واحدة من التجارب الفنية البارزة في المشهد التشكيلي القطري، إذ امتدت تجربتها عبر مسارات متعددة، لم تتوقف فيها عند حدود اللوحة التقليدية، بل انفتحت على التجريب والفن المفاهيمي وفن الفيديو والأعمال التركيبية والنحت، في بحث دائم عن لغة بصرية تتصل بالهوية والإنسان والذاكرة.
وتقوم تجربتها على علاقة وثيقة بين الفن والحياة، حيث تحضر المرأة بوصفها نافذة إلى الوجود، فيما تتقاطع في أعمالها مفاهيم الهوية والمكان والذاكرة والتحولات الاجتماعية، وظل التجديد والتجريب جزءاً أساسياً من مسارها، بالتوازي وأن تظل أعمالها متصلة ببيئتها وثقافتها المحلية.

وفي مشاركتها الأخيرة في معرض «سواعد» الذي تنظمه متاحف مشيرب، بالتعاون مع جاليري المرخية، قدمت الفنانة أمل العاثم جدارية فنية بأسلوب تجريبي، استحضرت من خلالها السواعد التي أسهمت في بناء المجتمع القطري، عبر تكوين بصري يستحضر أجيالاً ومسارات متداخلة. في حوارها لـ "الشرق"، تتحدث الفنانة أمل العاثم عن مسيرتها الفنية وتحولاتها، وعن علاقتها بالتجريب والهوية، ودلالات جداريتها في «سواعد»، كما تقرأ المشهد التشكيلي القطري، وتتوقف عند علاقة الفنان بالمؤسسات الثقافية والإعلام، وما يحتاج إليه الفنانون لمواصلة بناء حضور فني مؤثر ومستدام، وتالياً تفاصيل ما دار:
◄ عندما تنظرين اليوم إلى مجمل تجربتك التشكيلية الممتدة، وما راكمته من أعمال وتحولات، ما الذي ترينه ثابتاً أو متغيراً في مشروعك الفني؟
تجربتي الفنية، كانت وما زالت، على صلة بمشاعر الإنسان المرتبطة ببيته وهويته، وعبّرت عن قضايا الإنسان بشكل عام من خلال عنصر تجريد المرأة، والتي أعتبرها نافذتي إلى الوجود.
ومع ثبات المبدأ والقيم والأصالة والهوية، كانت هناك، تحولات على مر السنين ، فالخبرة واختلاف منظور الحياة يحتمان على الإنسان أن يجد حلولاً يتعايش معها.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى التقنيات المستخدمة، فمع تطور التكنولوجيا، وتغير الأحداث، وظهور أساليب فنية مختلفة، لا بد أن يكون هناك جديد أطرحه من خلال أعمالي الفنية، فأنا أحب التجدد دائماً، وأسعى إلى استباق التطور.

- الفن حياة
◄ كيف تقرئين تطور تجربتك الفنية في سياق التحولات التي شهدها الفن التشكيلي القطري خلال العقود الماضية، وما الذي أضافته هذه التحولات إلى خياراتك الجمالية والفكرية؟
بفضل الله وعونه، وبالاجتهاد والصبر والإصرار على تطوير نفسي، أحرص دائماً على الاطلاع على كل ما هو جديد من خلال البحث والتواصل والتدريب والتجريب في مختلف مجالات الفنون المرئية والبصرية.
والفن بالنسبة لي جزء من حياتي اليومية والمهنية؛ لذلك شرعت في تأسيس شركات ومراكز تعليمية تصب في مجالات الفنون والهندسة، ما جعلني أستمتع بإضافة الفن إلى عالمي.
كما كانت لي معارض ومشاركات مميزة في عدد من الدول، وفي جاليريهات ومتاحف عالمية، ما أتاح لي الاطلاع على تجارب مختلفة وإعادة النظر في خياراتي الفنية.
ولقد تميزت دولتنا بمؤسسات فنية وثقافية أصبحت اليوم في مصاف المؤسسات العالمية التي يُشار إليها بالتميز والتفرد، وعلينا مواكبة هذه الإنجازات العظيمة.
وفي الماضي كنا نسافر من بلد إلى آخر بحثاً عن منابع الفن، أما اليوم فأصبحت دولتنا هي الحضن والمنصة التي يأتي إليها الفنانون بما هو جديد وعالمي وحصري.
- الهوية والتغيير
◄ استندتِ في جداريتك في معرض «سواعد» إلى استحضار الأيدي التي أسهمت في بناء المجتمع القطري، فما الرسالة التي حرصتِ على تقديمها للمتلقي من خلال الانتقال بين مرحلتين مفصليتين في تاريخ قطر؟
حرصت على تأكيد الهوية، التي أصبحت على محك التغيير المستمر، بعدما أصبحت العولمة جزءاً لا يتجزأ من عالمنا، شئنا أم أبينا، وبحكم استيعابي لما هو قادم، كنت دائماً أطمح وأسعى إلى التغيير والحداثة.
لقد بدأت في الفن المفاهيمي وفن الفيديو والأعمال التركيبية والنحت، قبل أن تنتشر هذه الاتجاهات في مجتمعاتنا، وعلى الرغم من رفض البعض لها في البداية، فقد استطعت أن أكسبها خصوصيتها وهويتها.
وأذكر، أنه كان لي في عام 2005 عمل في فن الفيديو، حظي بالعرض في بينالي الشارقة، وكان هذا النوع من الأعمال يُصنف آنذاك ضمن الفنون الحديثة، بل وُجهت إليه انتقادات باعتباره قد يسلب الفن التشكيلي أصالته ، وفي عام 2010 أصبح هذا النوع من الفن يُستقبل بالترحيب والتقدير.
◄ يبدو أن جدارية معرض «سواعد» قائم على أجيال ومسارات متداخلة، فكيف اشتغلتِ فنياً على فكرة تداخل الأجيال، وكيف تحولت هذه الفكرة من مفهوم تاريخي إلى تكوين بصري؟
هناك بعض التجارب الفنية التي تستحق العرض، لكن الفنان يحتاج إلى الاجتهاد والمواصلة والبحث والتطوير حتى يصل إلى بصمة خاصة، وتأسيس مدرسة فنية، كما عليه التفرغ لمشروعه الفني، والمتابعة من قبل النقاد والقيمين، لإثراء العمل الإبداعي.
◄ ما الذي أتاحه لكِ الأسلوب التجريبي من إمكانات لم تكن لتتيحها المعالجة التقليدية في إنجاز هذه الجدارية؟
الجدارية عبّرت عن مفهوم المدرسة التجريبية الخاصة بمشروعي الفني، وتطورت في أعمالي فكرة اللون، التي كانت بطلاً للعمل الفني، وحرصت على أن تكون لي تجربة لونية تميز أعمالي وتشير إلى الهوية، كما كان اللون الأصفر حاضراً بمعانيه وعمقه، مشيراً إلى الصحراء والكثبان الرملية، ليأتي الأزرق والفيروزي والتركواز للتعبير عن عمق الخليج العربي وأصالته وتاريخه وشموخه.
ومن خلال هذه الأدوات خلقت عالماً يعبر من جيل إلى جيل، ويحمل إيحاءً بالانسيابية والمرونة، من الأجداد إلى الأحفاد، وصولاً إلى المستقبل.

- ذاكرة المكان
◄ في عملكِ حضور لفكرة الذاكرة الجماعية، فكيف توازنين بين استحضار الماضي وبين عدم الوقوع في إعادة إنتاج الصورة التراثية بصورة نمطية؟
الفنان دائماً يحمل راية التاريخ على عاتقه، أحياناً بصورة لا شعورية، فقد وهب الله الفنان هذه الموهبة ليستخدمها في نقل وتسجيل ما يدور من حوله من تاريخ وثقافة وفنون وتراث على مر العصور.
◄ ..وهل يمكن قراءة جداريتك بوصفها محاولة لربط التحول الاقتصادي بتحول الإنسان والمجتمع، وليس فقط بتوثيق مراحل تاريخية؟
الفنان عليه استعراض القضايا السائدة في المجتمع، وطرحها بصورة فنية يستسيغها الآخر، والفن بالنسبة لي ليس مجرد توثيق فقط، بل وسيلة لقراءة الإنسان والتحولات التي يعيشها المجتمع.
- لغة معاصرة
◄ إلى أي مدى ترين أن الفنان القطري قادر على إعادة قراءة التحولات الكبرى في تاريخ الوطن بلغة فنية معاصرة تستطيع مخاطبة المتلقي داخل الدولة وخارجها؟
الفنان القطري يمتلك مساحة واسعة للتجريب، خصوصاً مع ما توفره الدولة من مؤسسات ثقافية وفنية ومنصات للعرض والتواصل مع التجارب العالمية، والمهم أن ينطلق من بيئته وهويته دون أن يغلق نفسه داخلها.
- أهمية الدعم
◄ من خلال مسيرتك الفنية ، برأيكِ ما الذي يحتاج إليه الفنان القطري اليوم للانتقال من مجرد الحضور في المعارض إلى بناء حضور فني مؤثر ومستدام؟
مثلما ذكرت، الفنان يحتاج إلى دعم مستمر ليواصل العطاء، وكذلك إتاحة الفرصة لإثراء الإبداع، فضلاً عن احتياجه إلى منظومة متكاملة تساعده على الاستمرار.
◄ وأنتِ تقدمين عملاً يستعيد جهود أجيال سابقة في بناء المجتمع، كيف تفكرين في مسؤولية الفنان تجاه الأجيال القادمة؟
مسؤولية الفنان أن يترك أثراً حقيقياً ، وأن يحافظ على الصلة بين الإنسان ومكانه وهويته، ويفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة، وما ينبغي أن نتركه للأجيال القادمة ليس فقط الأعمال الفنية، وإنما الشجاعة في التجريب، فالفن يتطور، وكل جيل عليه إضافة الجديد، مع الحفاظ على الأصالة والهوية.
- لم أتغيب عن الفن
◄ لاحظنا خلال الفترة الأخيرة غيابك عن المشهد الإعلامي، مقارنة بحضورك الفني ومسيرتك التشكيلية، فهل كان هذا الابتعاد خياراً طوعياً، أم أن طبيعة المرحلة الفنية والإعلامية فرضت هذا الحضور المحدود؟
لم أتغيب عن المشهد الفني العالمي؛ فأنا أشارك سنوياً في معارض دولية وعالمية مختلفة، من خلال معارض شخصية ومشاركات متعددة، وكان لي معرض عام 2022 مع متاحف قطر ضمن «قطر تبدع»، إلى جانب مشاركات في جاليري المرخية، ولا أستطيع أن أتغيب عن الفن، فأنا أعيشه في كل لحظة من عمري، منذ أن كنت صغيرة وحتى اليوم.
لكن المعارض الفنية الشخصية تحتاج إلى دعم من الجهات والمؤسسات المعنية، وهذا يعني أن دعم الفنان مهم ليقدم الأفضل، بدءاً من الجاليري أو القاعة الخاصة بعرض الأعمال، وصولاً إلى المطبوعات والنشر والاقتناء، ولا تنسى أنني عملت في هذا المجال وساهمت في تحقيق هذه الفكرة للفنانين في ذلك الوقت.
- تطور الحراك
◄ بوصفكِ واحدة من الأسماء التي واكبت تطور الحركة التشكيلية القطرية على مدى سنوات، كيف تقيّمين المشهد التشكيلي القطري اليوم؟
المشهد القطري أصبح أكثر تنوعاً، كما أن المؤسسات الثقافية والفنية توفر مساحات أكبر للحضور والتفاعل، وأي مشهد فني بحاجة إلى مزيد من العمل والتراكم، وفي هذا السياق، أذكر أنني من جيل الوسط الذي أنتمي إليه، وأعتبر نفسي من مناضلاته، فقد عملت بجهد وجد حتى تتميز تجربتي، وكان ذلك جهداً فردياً، ولم أتردد في البذل.
◄ وهل ترين أن الحراك الحالي يعكس تطوراً حقيقياً في التجربة الفنية من حيث الرؤية والممارسة والنقد، أم أن هناك جوانب لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير؟
هناك تطور، وهذا أمر نلمسه في تنوع التجارب والأساليب، وانفتاح الفنانين على اتجاهات فنية مختلفة، وكذلك في اتساع مساحة العرض والحوار الفني، لكن التطور لا يعني أن المشهد وصل إلى نهايته، فكل مرحلة تفتح أسئلة جديدة، وتحتاج إلى مزيد من التراكم.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق