بوبيان والسيادة الكويتية... حين يُصبح الحزم ضرورة لا خياراً

الجريدة الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تكن أحداث فبراير مجرَّد غيمة صيفٍ عابرة في سماء العلاقات الخليجية - الإيرانية، بل كانت جرس إنذار مبكِّر لما تلاه من صلفٍ وتجرؤ سافر تجسَّد في محاولات تسلُّل عسكري مباشر إلى جزيرة بوبيان في مايو الجاري.

وإذا كانت دولة الكويت قد ضربت أروع الأمثلة في العقلانية وضبط النَّفس خلال الأزمات السابقة، فإن القراءة الواقعية للمشهد اليوم تؤكد أن الدبلوماسية المتوازنة، مهما بلغت براعتها، لا يُمكنها وحدها ردع عقيدة سياسة تقتات على التوسع والاستفزاز.

لقد تعاملت القيادة السياسية الكويتية بحِكمةٍ كبيرة لتجنيب المنطقة صراعاً مسلَّحاً، إلا أن هذا النهج العاقل غالباً ما يُفسَّر في دهاليز الحرس الثوري على أنه تردُّد أو ضعف، مما يمنحه الضوء الأخضر للاستمرار في مغامراته.

إننا اليوم أمام نمطٍ من الإرهاب الدولي المنظَّم، الذي يستهدف جس نبض السيادة الكويتية. والسكوت عن هذه الانتهاكات والاكتفاء ببيانات التهديد الورقية لن يؤدي إلا إلى ترسيخ واقعٍ جغرافيٍ جديد تُحاول طهران فرضه بضغط السلاح والمسيَّرات.

إن جزيرة بوبيان ليست مجرَّد قطعة أرض، بل هي قلب مشروع تنموي مستقبلي، وعصب سيادي للبحرية الكويتية، والتسلل المسلَّح الأخير الذي أحبطه أبطال القوة البحرية والقبض على عناصر عسكرية أجنبية في عُمق الأراضي الكويتية يتطلَّب تحولاً جذرياً في الاستراتيجية الكويتية، من خلال:

- من الاحتجاج إلى الردع

يجب أن تُدرك طهران أن كُلفة الاستفزاز ستكون ضخمة. هذا الردع يبدأ بتحويل جزيرة بوبيان إلى منطقةٍ دفاعية استراتيجية مشددة مدعومة بأحدث تقنيات الرصد والاعتراض، لتكون رسالة واضحة بأن «الأرض دونها الأرواح».

- دبلوماسية الأنياب

لا بد من التحرُّك دولياً لتصنيف هذه الانتهاكات كأعمالٍ عدوانية صريحة. وعلى الخارجية الكويتية أن تقود حِراكاً خليجياً دولياً لفرض عزل قانوني وسياسي على الجهات التي تموِّل وتخطِّط لهذه التسللات، فالحقوق لا تُستجدى، بل تُنتزع بقوة المنطق القانوني المسنود بهيبة الدولة.

- تحصين الجبهة الداخلية

إن الرد القوي للأطماع الخارجية هو التماسُك الوطني خلف القرار الأمني الحازم. إن الشارع الكويتي اليوم يُطالب بموقفٍ صلب يُعيد الأمور إلى نصابها، ويضع حداً نهائياً لسياسة الزحف التي تنتهجها القوى الإقليمية تجاه جُزرنا ومياهنا.

إن العقلانية في السياسة فضيلة، لكنها تُصبح عبئاً مسيَّجاً بالقوة.

لقد ولَّى زمن الرهان على حُسن الجوار مع طرفٍ لا يحترم المواثيق ولا يعترف بحدود. 

إن الكويت اليوم، بقيادتها وشعبها، أمام اختبارٍ تاريخي لحماية سيادتها، فإما موقف صلب يُوقف هذا الصلف الإيراني للأبد، أو الاستعداد لمسلسلٍ لا ينتهي من الاستفزازات التي تستهدف أمننا القومي العربي في مقتل.

إن حماية «بوبيان» ليست خياراً سياسياً، بل واجب وطني مقدَّس، والحكمة الحقيقية اليوم تكمن في إظهار القوة، لأن القوة وحدها هي اللغة التي يفهمها مَنْ أدمن التعدي على حقوق الآخرين.

* سفير اليمن لدى الكويت

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق