«العربية» تعاني التهميش في المدارس الأجنبية

الخليج 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تحقيق: آية الديب
على الرغم من أن اللغة العربية من أهم مقومات الشخصية العربية، وهي اللغة التي وثّقت الثقافة العالمية على مر التاريخ، واللغة الأم للعرب، فإنها تعاني تدنياً ملحوظاً لدى طلاب المدارس ولا سيما في المدارس الخاصة التي تقدّم لطلابها مناهج أجنبية، حيث تحول اهتمام طلاب كثيرين إلى دراسة اللغات الأجنبية الأخرى؛ بل فقد بعض الطلاب الرغبة في التواصل باللغة العربية ونفروا منها واعتبروها لغة ثقيلة.

«الخليج» رصدت شكاوى متكررة من أولياء أمور يدرس أبناؤهم في مدارس خاصة تقدّم للطلاب مناهج أجنبية، وتمثلت الشكاوى في عدم الاهتمام باللغة العربية وتهميشها، وعدم إكمال أبنائهم دراسة منهج اللغة العربية كاملاً، وتحديد دروس معينة يتم التركيز عليها للامتحانات فقط، وعدم التطرق مطلقاً إلى الدروس الأخرى.

شكا أولياء أمور كذلك من جعل حصص تدريس اللغة العربية آخر حصة دراسية في اليوم الدراسي، ضمن الجدول الذي يتلقى الطلاب حصصهم المدرسية وفقاً لترتيبه، بينما تقصر مدارس أخرى على تدريس اللغة العربية بشكل مكثّف يومين أسبوعياً، بعد انتهاء الدوام الدراسي في حالة يكون فيها الطلاب متعبين فاقدين القدرة على التركيز، مؤكدين أن أبناءهم ينجحون في مادة اللغة العربية دون قياس حقيقي لمهاراتهم.

وطالب أولياء أمور بتشديد الرقابة على مدارس المناهج الأجنبية لمادة اللغة العربية، وإلزامها بالاهتمام بها كباقي المواد الأجنبية الأخرى، وتخصيص أوقات إضافية للطلاب يعمل معلمو اللغة العربية خلالها على دعم مهارات الأبناء في الكتابة والقراءة والتعبير.

تدنٍ في المستوى

وتحدثت «الخليج» إلى عدد من المعنيين والمعلمين والتربويين الذين أكدوا أن طلاب المدارس الخاصة التي تقدّم مناهج أجنبية، يعانون تدنياً ملحوظاً في مستواهم في اللغة العربية، وأن ضعف مستوى الطلاب فيها يتجلى في مرحلة التأسيس ويستمر معهم إلى ما بعد تلك المرحلة، لافتين إلى أن عدد الحصص الدراسية التي يتلقاها الطلاب للغة العربية غير كافٍ مطلقاً، وأن الطلبة نتيجة لضعفهم في اللغة العربية يميلون إلى استخدام إحدى اللغات الأخرى التي يمتلكون فيها عدد مفردات أكبر.

واقترحوا مزيداً من الاهتمام لاستهداف طلبة المدارس الذين يحتاجون إلى تعويض فاقد تعليمي، والطلبة الذين يحتاجون إلى برامج علاجية خارج الأنشطة الصفية، وزيادة المحتويات الترفيهية الناطقة باللغة العربية لاستقطاب الطلاب نحوها، مؤكدين أن ضعف مستوى اللغة العربية خطأ مجتمعي، وأن استخدام الأبناء للغات أخرى ليس وجاهة اجتماعية؛ بل فقد لهويتهم الوطنية.

ضعف ملحوظ

وقال الدكتور عيسى الحمادي مدير المركز التربوي للغة العربية في دول الخليج: «طلاب المدارس الخاصة يعانون ضعفاً ملحوظاً في مستواهم في اللغة العربية، وهذا الضعف يطال قراءة الطلبة وكتابتهم واستماعهم وتحدّثهم باللغة العربية، فبشكل عام كلما استخدم شخص ما لغة بصورة مستمرة، كلما زادت مهاراته وقدراته فيها».

وأضاف: «المؤسسات التعليمية تتحمل جزءاً كبيراً من هذا الضعف، ولابد من وضع إجراءات ومعايير من شأنها قياس مستوى اللغة الغربية في المدارس، ومن ثم اتخاذ قرارات تسهم في دعم تعليم واكتساب الطلاب للغة العربية، كما يجب الاستناد إلى توظيف استراتيجيات التدريس الحديث».

وتابع: «من المؤسف أن بعض المدارس التي تقدم مناهج أجنبية تنقل حصص اللغة العربية إلى مواد أخرى، وتهمش مادة اللغة العربية، مقارنة بمواد أخرى».

وأردف: «على المدارس ترسيخ وتعظيم أهمية اللغة العربية لدى الطلاب، وتوسيع توظيفها تواصلياً، ولا سيما مع الطلاب العرب الذين تمثل لهم اللغة العربية، اللغة الأم واللغة التي ترتبط بهويتهم».

واقترح تأسيس مؤسسة وطنية تعنى ببناء مراكز وطنية تهتم باللغة العربية وتستهدف طلبة المدارس الذين يحتاجون إلى تعويض فاقد تعليمي، والطلبة الذين يحتاجون إلى برامج علاجية خارج الأنشطة الصفية، قائلاً: «يمكن لهذه المراكز أيضاً أن تكون منبراً لتعليم اللغة العربية للسياح وزوار الدولة».

ممارسة اللغة

وقال أحمد الرفاعي معلم لغة عربية في مدرسة خاصة تقدّم لطلابها منهاجاً أجنبياً: «الطالب الذي يدرس منهاجاً أجنبياً باللغة الإنجليزية، يمارس اللغة الإنجليزية بصورة أكبر من اللغة العربية، وبالتالي يكون حقل الطالب المعجمي ومخزونه اللغوي باللغة الإنجليزية أكبر من مخزونه باللغة العربية، ومن هنا يجنح إلى الحديث والتواصل والكتابة والتعبير واللعب باللغة التي يمارسها بصورة أكبر؛ لأن الطالب يميل إلى استخدام اللغة التي يمتلك فيها عدد مفردات أكبر، فالطالب يحب ما يحسن ويكره ما لا يُحسن».

وأضاف: «عدد الحصص الدراسية التي يتلقاها الطالب باللغة العربية غير كافٍ مطلقاً، حيث يتلقى الطالب حصة واحدة باللغة العربية يومياً، في مقابل 7 حصص أخرى يتحدث فيها المعلمون معه لغة أخرى».

وأكد الرفاعي أن تقوية اللغة العربية لدى طلاب المدارس الأجنبية سبيلها اعتماد معلمي اللغة العربية على نصوص خارجية يقرأها الطالب ويجيب عن أسئلة بشأنها، تقيس مستوى فهمه واستيعابه للغة، ونعمل على تشجيع الطلاب على قراءة المجلات والقصص والصحف المطبوعة باللغة العربية.

وتابع: «أقسام اللغة العربية في المدارس الخاصة تحاول وضع استراتيجيات لدعم وتقوية مستوى اللغة العربية لدى الطالب، منها أنشطة تعليمية وتدريبية على القراءة، وتحفيز الطلاب على القراءة واستخدام مهارات اللغة العربية، إلا أن هذه الجهود لابد أن تكتمل وتضافر مع جهود الأسرة».

وحول دور أولياء أمور طلاب المدارس التي تقدم مناهج أجنبية، أكد أنه يتمثل في تشجيع الأبناء على المشاركة في المسابقات الخاصة باللغة العربية، حيث تمثل المشاركة في هذه المسابقات حافزاً لزيادة مخزون الكلمات، كما أن قراءة القرآن الكريم والأحاديث اللغوية، تؤدي إلى تقوية اللغة العربية.

مرحلة التأسيس

وقال سعود الحمادي معلم تربية إسلامية في إحدى مدارس أبوظبي: «ضعف اللغة العربية لدى طلاب مدارس المناهج الأجنبية، يتجلى في مرحلة التأسيس؛ أي طلاب الحلقة الأولى، ويستمر معهم خلال دراستهم في الحلقة الثانية والثالثة»، مؤكداً أن طلاب المناهج الأجنبية يحتاجون إلى زيادة عدد الحصص المخصص للغة العربية، وكلما تعرض الطالب للغة العربية بشكل أطول كان اكتسابه للغة أفضل.

وأضاف: «حينما نقارن تدريس اللغة العربية في المدارس الحكومية والخاصة، عادة ما نجد أن طلبة المدارس الحكومية يدرسون منهاج اللغة العربية كاملاً، ولديهم نوافذ مختلفة لتعليم اللغة العربية، وفي المقابل نجد مدارس خاصة ولا سيما التي تقدّم مناهج أجنبية، لا يدرس طلابها منهج اللغة العربية كاملاً».

وتابع: «يمكن دعم مستوى اللغة العربية لدى طلاب مدارس المناهج الأجنبية من خلال منحهم فرصاً أكبر وأطول للكتابة والتعبير باللغة العربية، وممارسة اللغة بصورة أكبر من حفظها وتلقينها، والاشتراك في مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وذلك بالنسبة للطلبة المسلمين، مشدداً على أن المحادثة المنزلية بين الطالب وذويه يجب أن تقتصر على اللغة العربية فقط».

وسائل إلكترونية

وقال عمران كشواني معلم لغة عربية في إحدى مدارس أبوظبي: «استخدام الوسائل الإلكترونية سهّل على المعلمين والطلاب أموراً كثيرة، إلا أنه لا يغني عن استخدام الطالب للورقة والقلم. فعلى أولياء الأمور تشجيع أبنائهم على القراءة باللغة العربية، ودعم كل طالب بالمحتويات التي يميل إلى قراءتها في كتب ومطبوعات باللغة العربية».

ورأى كشواني أن المحتويات الترفيهية العربية غير كافية وقليلة، مقارنة بالمحتويات الترفيهية التي تستخدم اللغة الإنجليزية.

خطأ مجتمعي

وأكدت دعاء صفوت المستشارة التربوية والأسرية في أبوظبي، أن ضعف مستوى اللغة العربية هو خطأ مجتمعي قائلة: «إذا لاحظنا الدول الأجنبية فسنجد أنها لا تتكلم سوى لغتها الأم، حتى وإن اكتسب أبناء هذه الدول لغات أخرى، ويجب أن يدرك أولياء الأمور أن استخدام أبنائهم العرب للغات تختلف عن لغتهم الأم، ليس وجاهة اجتماعية كما يعتقدون، وأن اللغة العربية لم تعد مجرد لغة تواصل وإنما تعتبر حصناً لحماية الأبناء في مرحلة المراهقة من الأفكار الخارجية غير المرغوب فيها، كأفكار الإلحاد والشذوذ والمثلية».

وأضافت: «ضعف مستوى اللغة العربية قراءة وتحدّثاً ودراسة أمر واضح لدى طلاب المدارس الأجنبية، فمن المؤسف أن نجد طلاباً عرباً غير قادرين على التعبير عن أنفسهم بلغتهم الأم، والتصدي لهذا الضعف سبيله الأسرة. فمن الطبيعي أن يميل الطفل إلى استخدام اللغة التي يستخدمها طوال يومه مع معلّميه وزملائه، ولكن على الأسرة رفض استخدام أي لغة غير اللغة العربية داخل المنزل، فإذا استسهل ولي الأمر استخدام لغة أخرى في المنزل فستندثر اللغة العربية لدى أبنائه، وستكون لديهم مجرد مادة دراسية ثقيلة غير مرغوب فيها».

وتابعت: «هناك أفكار مختلفة يمكن لأولياء الأمور تنفيذها وهذه الأفكار من شأنها دعم مستوى اللغة العربية لدى الأبناء، كتخصيص يوم يتم تواصل الأبناء فيه بالكامل باللغة العربية، دون استخدام أي كلمة من لغة أخرى، ومشاهدة أفلام وثائقية وتثقيفية ممتعة باللغة العربية، على ألا تتعدى مدتها 15 دقيقة، لكي لا يشعر الأبناء ولا سيما طلاب الحلقة الأولى بالملل».

لغة إلزامية

وأكدت دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي أن المدارس الخاصة في الإمارة تقدّم 14 منهاجاً تعليمياً هي منهاج وزارة التربية والتعليم، والمنهاج الأمريكي، والمنهاج البريطاني، والمنهاج الكندي، والمنهاج الفرنسي، والمنهاج الألماني، والمنهاج الهندي، والمنهاج الياباني، والمنهاج الفلبيني، إضافة إلى المنهاج الإسباني، والمنهاج الياباني، والمنهاج البنغالي، والبكالوريا الدولية، ونظام «سابس التربوي».

وأوضحت الدائرة أن اللغة العربية مادة إلزامية لجميع طلبة المدارس الخاصة في أبوظبي، مبينة أنها لغة أولى للطلبة الناطقين بها، ولغة إضافية للطلبة غير الناطقين بها، بصورة إلزامية حتى الصف التاسع، وتصبح مادة اختيارية لمن هم في الصف 10 وحتى 12.

وأشارت الدائرة إلى أن مادة التربية الإسلامية إلزامية لجميع الطلبة المسلمين من جميع الجنسيات، واختيارية للطلبة غير المسلمين وأن الطلبة العرب يتلقون مادة التربية الإسلامية باللغة العربية، بينما يتلقاها الطلبة غير العرب باللغة الإنجليزية، بينما تقدم بعض المدارس مادة التربية الإسلامية بلغة التدريس المتبعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق