غياب الكاتب الساخر: حين يصبح الواقع نكتة بلا كاتب!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غياب الكاتب الساخر: حين يصبح الواقع نكتة بلا كاتب!, اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 11:46 مساءً


كان هناك زمن نحتاج فيه إلى كاتب ساخر ليشرح لنا مفارقات الحياة. اليوم، يبدو أن الحياة قررت أن تؤدي الدور بنفسها... وبجودة إنتاج أعلى من أي عمود صحفي.

اختفاء أسماء مثل خلف الحربي من المشهد ليس مجرد غياب فرد، بل عرض جانبي لمشكلة أكبر: هل انتهت صلاحية السخرية، أم أننا نحن الذين لم نعد نحتملها؟

لنكن صريحين: السخرية بطبيعتها فعل إزعاج. هي لا تواسي، بل تفضح. لا تربت على الكتف، بل تضع إصبعها في الجرح وتسأل: يوجع؟ ممتاز، إذن ما زلت حيا. لكن يبدو أننا - جمهورا ومسؤولين - قررنا أن الألم غير لائق اجتماعيا، وأن أفضل حل هو إلغاء المرآة بدل إصلاح الوجه.

في السابق، كان الكاتب الساخر يقف بين المطرقة والسندان: يكتب بذكاء كي لا يفهم حرفيا، ويغامر كي لا يدفن مجازيا. أما اليوم، فقد تطور الوضع: لم يعد مطلوبا منه أن يكون ذكيا فقط، بل أن يكون أيضا «قابلا لإعادة التدوير»، بحيث يمكن لكل قارئ أن يفسر نصه بما لا يزعجه. وهذا، بالمناسبة، تعريف ممتاز لكتابة لا تقول شيئا.

ثم هناك حجة «الواقع صار أكثر كآبة». وهذه حجة لطيفة... لكنها مريحة أكثر من اللازم. لأن السخرية وجدت أصلا في أحلك الظروف؛ هي ابنة الأزمات، لا ضحيتها. المشكلة ليست أن الواقع لا يحتمل، بل أن التعليق عليه أصبح أكثر كلفة من تحمله.

أما عن حساسية الناس، فهي قصة تستحق التأمل. لم نعد نغضب لأن السخرية خاطئة، بل لأنها أصابت الهدف. نريد سخرية تشبهنا، تضحك معنا لا علينا، تؤكد قناعاتنا بدل أن تهزها. باختصار: نريد سخرية بلا أسنان... كابتسامة رسمية في صورة جماعية.

في النهاية، ربما لم يختف الكاتب الساخر فعلا. ربما هو فقط جلس في مكان ما، يراقب هذا المشهد العبثي، ويضحك بصمت. لأن الحقيقة المحرجة هي هذه: حين يصبح الواقع ساخرا بما يكفي، يصبح الكاتب عاطلا عن العمل.
أو ربما... أصبحنا نحن نكتة!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق