نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هيئة الخبراء لتصحيح أمانة الجامعات, اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 11:46 مساءً
هناك فزاعة زرعتها أمانة شؤون الجامعات في حرم كل جامعة سعودية، تلوح بعصاها على المعيدين والمحاضرين، وكأنهم عبء ورجس يجب التطهر منه. هذه الفزاعة هي القرار رقم 1441/1/7 الذي استحدث مسارا لإنهاء الخدمة الوظيفية للأكاديميين بآليات تفتقد للسند النظامي المتماسك، وتصطدم مباشرة بضمانات الموظف العام التي كفلها النظام.
إننا أمام مشهد تنظيمي مرتبك، يحتاج من هيئة الخبراء الموقرة وقفة فاحصة لتصحيح المسار؛ فالتجاوزات التي تضمنها هذا القرار لا تمس استقرار الكفاءات الوطنية فحسب، بل تضرب أصول العدالة الإدارية في مقتل.
يكشف التطبيق العملي لهذا القرار عن تناقض منطقي لا يقبله العقل التنظيمي. فالمحاضر الذي لم يبتعث أصلا - ربما لمحدودية قدراته - يظل آمنا في مركزه الوظيفي حتى سن الستين، بينما المبتعث الذي انخرط مع الجامعات العالمية (كهارفرد وأكسفورد) واصطدم بظرف طارئ أو تعثر أكاديمي، يجد نفسه مهددا بالفصل، وهو الذي مهما كان اكتسب معارف ولغات وعلوما حري بالجامعات أن تتمسك به، ويكفيه ألما فوق ألم عدم إتمام بعثته أنه سيبقى على مرتبة لا ترقية فيها.
كيف يمنح النظام وفق تفسير أمانة شؤون الجامعات حصانة للقاعد، ويوقع جزاء الفصل على الناهض؟ إن ذلك التفسير المضطرب يحول الطموح الأكاديمي إلى مغامرة غير مأمونة العواقب.
ثمة خلل تنظيمي آخر يتمثل في التعارض مع قرار مجلس الوزراء رقم 259، الذي أقر مكافأة نهاية خدمة لمن أمضى 20 عاما برتبة محاضر. هذا النص يمثل إقرارا بأن هذه المرتبة هي مركز قانوني مستقر وليست مرتبة مؤقتة، وأن الدكتوراه ليست شرطا لاستمراره في السلك الأكاديمي. فكيف يقر مجلس الوزراء استقرار المرتبة كحق مالي، بينما يسعى مجلس شؤون الجامعات لإنهاء الخدمة بغير الأسباب الحصرية التي حددها المنظم في المادة 92 من لائحة أعضاء هيئة التدريس، من سن تقاعد واستقالة وعجز صحي؟.. بل إن لائحة أعضاء هيئة التدريس قد صدرت تاريخيا بعد لائحة الابتعاث، ولو كان المنظم أراد من مآلات البعثة سببا لإنهاء الخدمة، لأدرجها ضمن فقرات المادة المخصصة لذلك.
ثم كيف تجز رقبة الوظيفة الحكومية للعائد من الابتعاث بلا تحقيق؟ كيف صان المنظم كرامة من يقع في شبهة خرق الوظيفة العامة، بلزوم تشكيل لجنة له للتحقيق معه، وتدوين أقواله، فيما المبتعث العائد من ذكور وإناث تهدر كرامتهم بالفصل المباشر عبر التصويت في مجلس جامعة، وبلا تحقيق مسبق، ولا ينال من هذا الوصف التذرع بالفقرة الثالثة من مادة 30. إن خلو لائحة الابتعاث من أي تمهيد للتحقيق، يمنح الفاحص قناعة أنها ليست لائحة معنية بترتيب العلاقة الوظيفية إطلاقا، بل إن القرار نفسه يقر علنا وضمنا أن لائحة أعضاء هيئة التدريس لا لائحة الابتعاث هي اللائحة الحاكمة للعلاقة الوظيفية، وذلك في سطوره الأولى حين أشار إلى اقتراح إضافة مواد إليها لمعالجة العائدين من الابتعاث.
هل تريد ملخصا لتناقض تفسير الأمانة؟ عد إلى المادة 33 من لائحة الابتعاث، ستجد أن أحكام ابتعاث الأكاديميين تسري أيضا على الموظفين الإداريين من منسوبي الجامعات. والمستقر نظاما وقضاء لا عرفا أن الإداري العائد من البعثة من غير إتمامها يستمر في عمله الأصلي ولا يفصل. فلماذا يستثنى الأكاديمي ويعامل بالفصل عند تطبيق نص المادة 30 نفسه؟ إن تحوير «طي القيد الدراسي» ليصبح فزاعة «إنهاء خدمة وظيفية» هو تفسير مستحدث بلا سند متين، وخرق صريح لمبدأ المساواة أمام النظام، بدليل أنها تفسرها (عودة للعمل وفصل من العمل) في آن واحد.
إننا نناشد هيئة الخبراء الموقرة، بصفتها المطلعة على مطبخ هذا القرار، التدخل لفك هذا اللبس في نشأته وتطبيقه بعد هذه السنوات. إن المادة 30 من لائحة الابتعاث نص إجرائي يترتب عليه (طي قيد البعثة) لا (طي الوظيفة). يجب كف يد الجامعات عن ابتداع مسارات لإنهاء الخدمة، وليبنى فصل الموظف وقطع رزقه وهدر طاقته على نص متين ومنطق سليم، وليبقى الحرم الجامعي بيئة محفزة، لا ساحة ترفرف فوقها فزاعات الفصل والتهجير الوظيفي، ولا يصح أن يعيش بيننا من كان على مقاعد الدراسة باحثا في هارفرد، لكنه بالتفسير الخاطئ أصبح على مقعد سائق أجرة باحثا عن راكب.
algabbani@







0 تعليق