محافظة الحريق.. حيث يسمع الصوت الداخلي!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محافظة الحريق.. حيث يسمع الصوت الداخلي!, اليوم السبت 11 أبريل 2026 11:51 مساءً

لم تكن زيارة مخططة... لكنها كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب شيء في الداخل. بدعوة كريمة من أحد الزملاء، وجدت نفسي في محافظة الحريق، أتجول بين طرقها الهادئة، وأتأمل تفاصيلها البسيطة التي لا تحاول أن تبهر أحدا... لكنها تفعل.

تقع محافظة الحريق جنوب مدينة الرياض، وتعد من المحافظات التي تحتفظ بطابعها الزراعي وتراثها النجدي، حيث تمتد فيها مزارع النخيل، وتلتقي فيها الطبيعة بهدوء المكان وبساطة الإنسان.

هناك، بين امتداد النخيل وصمت الطرق، وبين حضن جبال طويق، تشعر أن المكان لا يطلب منك شيئا... سوى أن تهدأ قليلا، لتسمع نفسك بشكل أوضح. التقيت بأناسها... ببساطتهم التي لا تصطنع، وكرمهم الذي لا يحتاج إلى تعريف، وفي لحظات عابرة، أدركت أن بعض الأماكن لا تقاس بحجمها، بل بعمق أثرها.

وهذا الكرم ليس انطباعا عابرا... بل امتداد لقصة تروى.. يحكى أن محمد بن حسين الشريف، من أهالي المفيجر في ضواحي الحريق، والملقب بـ"معشي الشجر، كان يقف على مرتفع يرقب قوافل الحجيج، فإذا لمحهم بادر بإعداد الطعام وإكرامهم. وفي أحد الأيام، ومع اشتداد الرياح وضعف الرؤية، ظن أن ما يراه من بعيد قوافل قادمة، فأمر بذبح الذبائح وإعداد العشاء، لكن حين انقشعت العاصفة، تبين أن ما رآه لم يكن سوى أشجار تتحرك مع الريح، ومع ذلك... لم يندم، بل جمع من حوله وأطعمهم، لتبقى القصة شاهدا لا على خطأ في الرؤية... بل على صدق في النية. وهنا تدرك أن القيم التي صنعت هذا الكرم... لا تزال حاضرة، ويمكن أن تكون أساسا لأي تنمية قادمة.

وليس هذا العمق الإنساني بعيدا عن بعدها الثقافي، فالحريق هي موطن شاعر الاستغاثة محسن بن عثمان الهزاني، الذي عرف بقصائده التي حملت صدق الشعور وارتباط الإنسان بالمكان، وكأن الشعر هنا لم يكن مجرد كلمات... بل امتداد لحياة تعاش.

واليوم، ومع رؤية السعودية 2030، تعود هذه الأماكن لتكون جزءا من مشهد جديد... لا يعيد إنتاج الماضي، بل يستثمره ليصنع مستقبلا مختلفا.

لكن الحريق ليست مجرد هدوء... هي قصة كامنة تنتظر أن تروى بشكل مختلف. ففي الوقت الذي تتسارع فيه المدن الكبرى، تبقى مثل هذه المحافظات تحمل كنوزا من نوع آخر؛ كنوز المكان، والإنسان، والفكرة. وهي ثلاثية لا تبنى بها المدن فقط... بل تبنى بها الهويات.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحريق أمام فرصة حقيقية لتكون أكثر حضورا على خارطة التنمية... ليس من باب النقد، بل من باب الأمل.

فالمكان بحاجة إلى مزيد من العناية بالخدمات السياحية البسيطة التي تصنع الفرق؛ كوجود مطاعم نوعية، وتوسع في الخدمات البنكية، خصوصا مع تميزها في مهرجان الحمضيات السنوي.

ومن يزور الحريق في موسم الحمضيات، يلمس وجها آخر للمكان... وجها أكثر حياة، لكنه لا يفقد هدوءه. فالمزارع تمتلئ بثمارها، وتتدرج ألوان البرتقال بين الأصفر والذهبي، في مشهد بسيط لكنه صادق. وفي المهرجان، لا يبدو الأمر كفعالية رسمية بقدر ما هو امتداد طبيعي للمكان؛ حضور للأهالي، وبساطة في العرض، وروح محلية تشعرك بأنك قريب من التفاصيل، لا مجرد زائر عابر. وربما ما يميزه، أنه لا يعتمد على الإبهار بقدر ما يعتمد على الأصالة... وهذا ما يمنحه طابعا مختلفا، يستحق أن يستثمر ويقدم بشكل أوسع، ليكون أحد العلامات الفارقة في سياحة المحافظة. وفي مثل هذه التفاصيل البسيطة، تتجلى إحدى معاني رؤية السعودية 2030، التي لا تبحث فقط عن مشاريع كبرى، بل عن إبراز ما نملكه أصلا، وتقديمه بطريقة تليق به.

كما أن الجهود المبذولة في الحفاظ على التراث تعكس وعيا مهما، حيث تحظى قرية (مفيجر التراثية) باهتمام من هيئة التراث، إلى جانب مواقع أخرى ثرية مثل منطقة (الحسينية) في بلدة نعام، والتي تمثل امتدادا تاريخيا يعكس عمق المكان وتنوعه، وهو توجه يستحق أن يستكمل برؤية تجعل من التراث تجربة حية.

ومن زاوية أخرى، فإن الطبيعة الجغرافية وارتفاع الجبال تفتح آفاقا للاستفادة من الطاقة المتجددة، كطاقة الرياح. بل إن مواقع مثل (غار بلعوم)، التي كانت مقصدا لبعض الزوار للتخييم، تكشف عن جاذبية سياحية غير مستثمرة بعد.

ما بين الطبيعة، والتراث، والقيم... تتشكل فرصة نادرة، ومع قربها الجغرافي والوجداني من الرياض، تبدو محافظة الحريق مرشحة لتكون وجهة للاستجمام... وملاذا يعيد للإنسان توازنه.

الحريق... ليست مجرد محافظة... هي فكرة.

فكرة تقول: إن التنمية لا تعني أن نشبه المدن الكبيرة، بل أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وفي زمن تتسارع فيه كل الأشياء... قد تكون الأماكن الهادئة، مثل الحريق، هي ما نحتاجه لنفهم أين نقف... وإلى أين نريد أن نذهب!

ومع كل محطة.. يتأكد لي أن في ربوع الوطن ما يستحق أن يروى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق