صياغة التوازن الاستراتيجي للخليج خارج ثنائية واشنطن وطهران

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صياغة التوازن الاستراتيجي للخليج خارج ثنائية واشنطن وطهران, اليوم الأحد 12 أبريل 2026 11:25 مساءً

ما أحب أن أقوله بوضوح وصراحة هو أن دول الخليج لا تقف اليوم بين طرفين متنازعين من بعيد، بل تقف داخل ميدان النار نفسه. فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026 ثم دخلت في 7 و8 أبريل 2026 هدنة هشة لمدة أسبوعين لم تنهِ الخطر بل كشفت حجمه الحقيقي. فالقواعد الأمريكية في الخليج بقيت جزءا من بنك الأهداف الإيراني. والممرات البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز ظلت ورقة ضغط عسكرية واقتصادية. وحركة الشحن والطاقة لم تستعد يقينها حتى بعد إعلان التهدئة. وهذا يعني أن الخليج ليس مراقبا للأزمة بل أحد أكبر المتأثرين بها أمنيا واقتصاديا وسياسيا.

ولهذا فإن المعضلة الخليجية ليست فقط في الخوف من انتصار إيران ولا فقط في الخوف من اندفاعة أمريكية مفتوحة. فالمعضلة أعمق من ذلك. نظرا لأن الخليج يدفع كلفة المعادلتين معا. فإذا تصاعدت الحرب صار مسرحا للصواريخ والمسيرات والاضطراب البحري وابتزاز الطاقة. وإذا جرى احتواء الحرب مؤقتا عاد الملف الإيراني ليفرض نفسه كورقة مساومة كبرى بين واشنطن وطهران فوق الطاولة بينما تبقى العواصم الخليجية مطالبة بدفع كلفة الحماية من جهة وكلفة الجغرافيا من جهة أخرى. وهذه هي الحقيقة التي يجب تسميتها باسمها. لأن دول الخليج وقعت طوال سنوات بين مطرقة المظلة الأمنية الأمريكية التي تريد ثمنا سياسيا واستراتيجيا متصاعدا وبين سندان إيران التي تستخدم القرب الجغرافي والشبكات الإقليمية وورقة المضائق والتهديد لفرض ميزان ردع خاص بها. ولهذا فإن السؤال الجاد ليس كيف ننجو من هذه الجولة فقط؟ بل كيف نخرج من منطق الارتهان كله؟

والفرصة التي تفتحها الأزمة ليست فرصة خطابية بل فرصة مراجعة تاريخية قاسية. نظرا لأن الحرب أثبتت أن الاعتماد الخليجي على واشنطن بوصفها ضامنا نهائيا للأمن لا يكفي وحده. بسبب أن أمريكا قد تحضر بقوة عندما تتقاطع الحرب مع مصالحها ثم تفاوض عندما ترى أن الكلفة ارتفعت. أما الخليج فيبقى جاره الثابت هو إيران لا الولايات المتحدة. وهذا يفرض على صانع القرار الخليجي أن يتعامل مع الأمن بوصفه طبقات متعددة لا طبقة واحدة. فالحليف الأمريكي مهم، لكن تحويله إلى العمود الوحيد للأمن خطأ استراتيجي. والحوار مع إيران ضروري، لكن تحويله إلى بديل عن الردع خطأ أكبر، لأن المعادلة الرشيدة ليست الاستسلام لأحد الطرفين بل بناء قدرة خليجية تجعل العلاقة مع واشنطن شراكة لا وصاية وتجعل العلاقة مع إيران توازنا لا ابتزازا.

وفي هذا السياق تبرز تجربة المملكة بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بوصفها أحد أهم النماذج التي تحاول إعادة صياغة هذه المعادلة على أسس جديدة. فالمملكة العربية السعودية لم تعد تتعامل مع الأمن والاقتصاد والسياسة كملفات منفصلة بل كمشروع استراتيجي متكامل يعيد تعريف موقعها وموقع الخليج ككل، من خلال رؤية السعودية 2030 نظرا لأنه جرى الدفع نحو تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء قطاعات جديدة في الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية. وهذا التحول ليس اقتصاديا فقط بل هو خطوة مركزية في بناء استقلال القرار وتقليل قابلية الضغط الخارجي.

ومن هذا المنطلق فإنه من المناسب أن تقوم دول الخليج بعدة خطوات استراتيجية لبناء قدراتها لكي تعتمد على جهودها الذاتية.

فالخطوة الأولى هي في تحويل الأزمة إلى فرصة، وهي الانتقال من الأمن المستورد إلى الأمن المبني محليا. وليس المقصود هنا إعلان القطيعة مع الولايات المتحدة، فهذا غير واقعي ولا مطلوب. لأن المقصود هو إنهاء التباطؤ الاستراتيجي الذي يجعل الخليج يشتري السلاح أكثر مما يبني العقيدة الدفاعية. لأن الحرب الأخيرة أثبتت أن الخطر الفعلي لم يعد تقليديا فقط بل مركبا من صواريخ دقيقة ومسيرات وحرب الكترونية وتهديد للموانئ والطاقة والتحلية والمجال الجوي. وما لم توجد شبكة دفاع خليجية موحدة للإنذار المبكر والدفاع الجوي والأمن البحري والأمن السيبراني؛ فإن كل دولة ستبقى أضعف من أن تواجه هذا النوع من التهديد منفردة. وهنا بالتحديد تتحول الأزمة إلى فرصة. لأن الخوف المشترك إذا لم ينتج بنية دفاع خليجية مشتركة فسيتحول إلى فواتير منفصلة وخسائر متكررة. وقد بدأت المملكة بالفعل في هذا المسار عبر الاستثمار في توطين الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وبناء شراكات نوعية لنقل التقنية وليس فقط شراء السلاح.

الخطوة الثانية، هي إعادة تعريف العلاقة مع إيران على أساس الصراحة لا المجاملة. حيث من المناسب أن يقال لطهران بوضوح إن الخليج ليس ساحة خلفية لصراعاتها مع واشنطن ولا ممرا مجانيا لرسائلها النارية. وأن أي تفاهم مستقبلي لا قيمة له إذا بقيت العواصم الخليجية ضمن مدى الرسائل الصاروخية كلما اشتدت الأزمة. لكن الصراحة هنا لا تعني الانجرار إلى خطاب الحرب الدائمة. بل تعني تأسيس معادلة واضحة قوامها ردع دفاعي صلب وحوار سياسي مباشر. لأن الردع وحده يرفع كلفة العبث. والحوار وحده يفتح باب تنظيم التنافس. أما الجمع بين الضعف في الردع والغموض في الحوار فهو الوصفة المثالية كي يبقى الخليج رهينة سوء التقدير الأمريكي الإيراني في كل مرة. وقد عكست التحركات السعودية في السنوات الأخيرة هذا التوازن من خلال الانفتاح الدبلوماسي المدروس مع طهران بالتوازي مع تعزيز القدرات الدفاعية وعدم التفريط بالثوابت الأمنية.

الخطوة الثالثة، هي التحرر من الاختزال الأمريكي لمفهوم الأمن الخليجي. لأن واشنطن تنظر غالبا إلى الخليج من زاوية الممرات والطاقة والتموضع العسكري واحتواء الخصوم. بينما تحتاج دول الخليج إلى تعريف أوسع للأمن يشمل استقرار المدن وحماية البنية التحتية وسلامة الإمدادات الغذائية واستمرارية المياه والكهرباء والتحصين الاقتصادي من صدمات الحرب. وحين تعلن واشنطن وقف القصف أو استئناف التفاوض فإن ذلك قد يخفف حساباتها هي. لكنه لا يمحو فورا المخاطر عن سماء الخليج وبحره وأسواقه. لذلك من المناسب أن تتعلم دول الخليج كيف تفاوض أمريكا من موقع المصلحة الواضحة.

نعم للتعاون الدفاعي، لكن أيضا نعم لشروط خليجية تتعلق بنقل المعرفة والتصنيع المحلي والتخطيط المشترك لحماية المنشآت الحيوية لا فقط حماية القواعد والتحركات العسكرية. وهنا أيضا لعبت السعودية دورا محوريا في إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن من خلال تنويع الشراكات الدولية وعدم حصر الخيارات في طرف واحد.

الخطوة الرابعة، تتعلق بالنفط والمال والاقتصاد. فالحرب على إيران أثبتت من جديد أن الخليج ما زال يدفع ضريبة الجغرافيا حتى حين لا يريد الحرب. مجرد اهتزاز الملاحة في هرمز يربك الشحن والتأمين والطاقة والأسواق العالمية. وهذا يعني أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بعدد الطائرات والدفاعات بل أيضا بقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة. ولهذا فإنه من المناسب تسريع فك الارتباط النسبي بين الاستقرار المالي الخليجي وبين عنق الزجاجة البحري، من خلال مزيد من البدائل اللوجستية، ومزيد من الربط البري والمينائي خارج نقاط الاختناق، ومزيد من الاستثمار في سلاسل الإمداد الاستراتيجية، ومزيد من تحويل عوائد الطاقة إلى قوة تكنولوجية وصناعية تقلل قابلية الابتزاز في زمن الحرب؛ لأن الاقتصاد هنا ليس ملفا منفصلا عن الأمن بل هو قلب الأمن. وقد جسدت المشاريع الكبرى في المملكة مثل تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية هذا التوجه نحو بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات. وهذه الحرب شاهدة على ذلك لأن المملكة أصبحت نقطة الارتكاز لدول الخليج حيال استقرار سلاسل الإمداد.

الخطوة الخامسة، هي أنه من المناسب أن تتوقف دول الخليج عن الاكتفاء برد الفعل الفردي وتبدأ بصناعة موقف سياسي خليجي موحد، في اللحظات الكبرى، لأنه لا يكفي أن تتشابه المخاوف، بل من المناسب أن تتوحد الرسائل. حين تتحدث كل عاصمة وحدها تصبح قابلة للتجاوز، أما حين يتشكل موقف خليجي منسق يحدد بوضوح ما الذي يقبل وما الذي يرفض في أي تسوية أمريكية إيرانية فإن هامش المناورة يتسع، لأن الخليج لا يحتاج فقط إلى غرفة عمليات دفاعية مشتركة بل إلى عقل سياسي مشترك يعرف كيف يتدخل دبلوماسيا قبل الانفجار وكيف يفرض نفسه على طاولة ما بعد الانفجار، وإلا سيبقى الآخرون يتفاوضون على أمنه بدلا من أن يتفاوض هو على أمنه. وقد سعت السعودية خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز العمل الخليجي المشترك ودفعه نحو مواقف أكثر تماسكا ووضوحا في القضايا الإقليمية.

ثم إن هناك درسا لا يجوز تجاهله. فالحرب كشفت أن القوة الناعمة وحدها لا تحمي الممرات ولا المدن ولا الاستثمارات حين يسقط الإقليم في منطق الحروب الكبرى. كما كشفت أن المال وحده لا يشتري الطمأنينة إذا كانت معادلة الردع مختلة. لذلك فإن التحول المطلوب ليس من الهدوء إلى الصخب بل من الوفرة إلى المناعة، ومن شراء الوقت إلى بناء القدرة، ومن التعويل على الخارج إلى حسن استخدام الخارج ضمن استراتيجية ذاتية. وهذا هو الفارق بين دولة ثرية تتلقى الصدمة ودولة ناضجة تحول الصدمة إلى نقطة انعطاف. وهذا بالضبط ما تحاول السعودية ترسيخه كنموذج خليجي قابل للتعميم.

وفي الجوهر لا ينبغي أن يكون الهدف الخليجي هو الاختيار بين أمريكا وإيران، لأن هذا فخ سياسي. فالهدف هو منع الطرفين من تحويل الخليج إلى منطقة دفع ثمن. أمريكا يجب أن تفهم أن أمن الخليج ليس بندا ملحقا باستراتيجيتها تجاه إيران، وإيران يجب أن تفهم أن جوارها للخليج لا يمنحها حق تطويق قراره أو تهديد استقراره. وبين هذين الفهمين من المناسب أن تولد عقيدة خليجية جديدة. عقيدة تقول إن الشراكة مع واشنطن مطلوبة لكن ضمن حدود المصلحة الخليجية، وإن التهدئة مع إيران مطلوبة لكن ضمن حدود السيادة الخليجية. وإن القوة الذاتية ليست ترفا بل شرط بقاء. وهنا تبرز القيادة السعودية كعامل توازن إقليمي يسعى لإعادة تشكيل هذه المعادلة بما يخدم استقرار المنطقة.

وإذا أرادت دول الخليج فعلا ألا تقع مرة أخرى بين مطرقة أمريكا وسندان إيران فعليها أن تخرج من هذه الحرب وهي أكثر صراحة مع نفسها. لا أحد سيبني لها توازنها إن لم تبنه بنفسها. ولا أحد سيحترم حساسيتها الجيوسياسية إن لم تفرضها كحقيقة استراتيجية. وهذه الأزمة على قسوتها قد تكون الفرصة النادرة لإنتاج ذلك التحول. لأن أخطر ما في الحروب ليس الدمار الآني فقط بل العودة بعدها إلى الأوهام القديمة. أما الفرصة الحقيقية فهي أن يفهم الخليج أن النجاة لا تأتي من انتظار أيقونة حماية خارجية ولا من مهادنة تهديد دائم، النجاة تأتي من بناء قوة خليجية عاقلة، متماسكة، مستقلة في قرارها، متوازنة في تحالفاتها، وحاسمة في الدفاع عن نفسها، عندها فقط لن يكون الخليج بين المطرقة والسندان بل رقما صعبا في معادلة الإقليم كلها.

أخبار ذات صلة

0 تعليق