نمو القطاع الخيري وفجوة التنمية المعرفية!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نمو القطاع الخيري وفجوة التنمية المعرفية!, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 06:15 صباحاً

تعيش المملكة العربية السعودية نموا كبيرا في القطاع الخيري وغير الربحي، وذلك من خلال تنوع مؤسساته، وتعدد جمعياته، وحجم شركاته غير الربحية المدعومة برؤية 2030، حيث وصل عدد الجمعيات الأهلية الخيرية إلى (6348) مقارنة بـ(2500) جمعية من بداية انطلاق الرؤية، وهي تشمل (الجمعيات والمؤسسات الأهلية الخيرية، والصناديق العائلية)، وذلك وفقا لإحصائيات المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في عام 2025م.

كما أن الشركات غير الربحية شهدت نموا مطردا منذ صدور نظامها الجديد في عام 2023م، ووصل حجم هذه الشركات قرابة 12 ألف شركة غير ربحية، مما يدل على جاذبية النظام. وحسب تقرير آفاق القطاع غير الربحي 2025م الصادر من مؤسسة الملك خالد الخيرية، يتضح تنوع توزيع هذه الجمعيات (الجمعيات، والشركات غير الربحية) على جهات التسجيل، حيث تتصدر (وزارة التجارة) الإشراف على 46% منها، وتأتي (الهيئة العامة للأوقاف) في المرتبة الثانية، حيث يقع تحت إشرافها 26%، ثم (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي) بنسبة 21%.

إن هذا النمو الكمي المتسارع للقطاع بشقيه الخيري وغير الربحي، تقابله فجوة كبيرة في التنمية المعرفية والتأصيل العلمي، وعلى الرغم من وجود جهود علمية معرفية مبعثرة هنا وهناك، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى حركة تنموية معرفية موازية، تؤصل لهذا القطاع علميا، وتؤهل الكوادر العاملة فيه تأصيلا تخصصيا، حيث لم تعد العواطف والدوافع الدينية كافية وحدها في نجاح هذا العمل وتطويره، رغم حوكمته وجودته وإتقانه وازدهاره الإداري، وخير دليل على هذا الضعف العلمي والمعرفي في كثير من جمعيات هذا القطاع ومؤسساته، أن التقارير العامة والخاصة للمؤسسات المانحة والجمعيات الخيرية والشركات غير الربحية، تكاد تخلو من أي ذكر للجانب المعرفي والعلمي المتخصص لهذا القطاع، فضلا عن دعم الجوانب العلمية والمعرفية التي تخدم تأصيل هذا القطاع.

فالبحوث والدراسات مهمة وضرورية لتطوير القطاع الخيري، وإشراك التنمية المعرفية مع جميع عمليات التنمية يعد تنمية بحد ذاتها، حيث يساعد الجانبان العلمي والمعرفي في تأصيل مكانة وشراكة هذا القطاع الخيري، كما يعملان على ترسيخ مبادئه وقيمه لدى موظفي هذا القطاع والمتطوعين وعموم القطاعات، إضافة إلى أن البحوث والدراسات تساعد في التطوير، وتشخيص المعوقات، ومضاعفة الموارد، ورفع كفاءة البرامج، وقياس الأثر، وتوظيف القطاع في التنمية الاقتصادية المستدامة، كما تساعد الكتب والبحوث للجمعيات المتخصصة بالأمن الفكري والاجتماعي على تعزيزه لدى الأجيال والأسر، مما ينقل العمل الخيري من مجرد عمل إغاثي وطوارئ إلى عمل علمي تنموي ممنهج وفعال، يخدم الأفراد والمجتمع وعموم قطاعات الدولة بشكل أفضل، ويدعم رؤى التنمية ليكون القطاع بهذه التنمية المعرفية قطاعا تنمويا إداريا (ثالثا) من قطاعات الدولة، يؤسس لشركات خيرية ووقفية غير ربحية كبرى متخصصة في احتياج المجتمع في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية بصورة خاصة. 

أهمية مراكز البحوث وجمعيات المعرفة المتخصصة
إن هذا النمو للقطاع، يفرض ما يوازيه ويدعمه في أهمية إنشاء مراكز علمية للبحوث المتخصصة، ومراكز تدريب علمية وإدارية متعددة ومتنوعة للعاملين والمتطوعين، ومن مهام هذه المراكز والجمعيات المعنية بالمعرفة المتخصصة، جمع الرسائل العلمية الجامعية الخادمة لثقافة القطاع، والعمل على طباعتها ونشرها؛ حيث من المأمول أن ترتبط حالات التوظيف وعمليات الترقية للموظفين، بل وقبول المتطوعين في هذا القطاع باختبارات علمية معرفية، تقوم على الاختبارات في بعض الكتب المتخصصة في ثقافة هذا القطاع.

ويتأكد بما سبق أهمية هذه المراكز البحثية للقطاع الخيري، وتتضاعف هذه الأهمية عند مزاحمة الثقافات الأجنبية والمصطلحات الوافدة عن هذا القطاع، خاصة في جانب التأصيل العلمي لهذا القطاع، وذلك بمضاعفة الكتابة والقراءة في المرجعيات العلمية والمعرفية الدينية التي تعد محركا أساسيا ودافعا قويا لنمو هذا القطاع، كذلك، العمل على تأصيل مفاهيم هذا القطاع كقطاع إداري ثالث. والتوعية بدور هذا القطاع كقطاع شريك للقطاع الأول والثاني في جميع جوانب التنمية. وتتأكد الأهمية مرة أخرى في إعداد الأبحاث والدراسات عن تحديات العمل الخيري ومعوقاته المعاصرة، واقتراح الحلول المناسبة بلغة علمية وإدارية. وتقديم الاستشارات والدعم العلمي والإعلامي، خاصة في مجالات العوائق والتحديات لصناع القرار والباحثين والدارسين والعاملين في العمل الخيري. إضافة إلى أهمية إسهام الدراسات والأبحاث التي تخدم الرؤى المستقبلية لهذا القطاع، مع أهمية جمعيات ومراكز متخصصة بالنشر والتسويق لكل ما يتعلق بتنمية المعرفة لهذا القطاع.

ومن أهمية هذه التنمية المعرفية إنشاء مراكز بحثية وجمعيات علمية متخصصة بالتأليف والنشر عن هذا القطاع، وهذا ما يتطلب تعزيز الشراكات بين هذه المراكز والجمعيات وبين الجهات المانحة والممنوحة، وما أحوج هذا القطاع إلى الإصدارات التي تتعلق بدعم الثقة العلمية بالقطاع الخيري الإسلامي بموروثه الشرعي والتاريخي الحضاري، إضافة إلى الكتابة والقراءة عن المنظمات الدولية بأهدافها وممارساتها الخاطئة والناجحة وتحدياتها المختلفة.

إن هذه التنمية المعرفية تتعزز أكثر، حينما يكون إبراز أثر الدوافع والأهداف الدينية في العطاء والأوقاف والرقابة الذاتية، لينمو هذا القطاع بما يتناسب وقيم المجتمع وثقافته الدينية الأصيلة.

نماذج من المنصات والمراكز المعرفية
تكاد تكون نماذج المنصات والمراكز المتخصصة حول التنمية العلمية والمعرفية لهذا القطاع محدودة، قياسا بتعدد وتنوع مؤسسات وجمعيات هذا القطاع وكثرتها وانتشارها، ولهذا يتأكد إيراد نماذج من المنصات المتخصصة والمراكز البحثية، للاستفادة من الموجود في البحث والقراءة، والعمل على استنساخ الموجود من التجارب البحثية، لإثراء (مكتبة العمل الخيري والقطاع غير الربحي) بالمفيد من الأبحاث والدراسات. ومن المنصات المهمة الموجودة في ساحات الشبكة المعلوماتية، عن التنمية العلمية والمعرفية المتخصصة في القطاع الخيري، هذه النماذج من المواقع المفيدة للقطاع، والمحتاجة إلى المزيد من التصنيف والتطوير:


  1. (مكتبة العمل الخيري) التي يهدف مشروعها، إلى تكوين مرجع معرفي للملفات الالكترونية المتخصصة في العمل الخيري. وتيسير وصول الباحث والقارئ والمهتم وصانع القرار في العمل الخيري للمصادر في مجال العلوم المعرفية المتخصصة، ومن فوائده حفظ الملفات والدراسات الخاصة بالعمل الخيري، وهي مبادرة من مركز التميز الدعوي.
  2. مجلدات مؤتمر العمل الخيري - جامعة أم القرى.
  3. ويكي خير - موسوعة العمل الإنساني (تصنيف مكتبة العمل الخيري)، وهو أحد مشاريع مركز الكويت لتوثيق العمل الإنساني (فنار).
  4. مكتبة الكتب (قسم كتب العمل الخيري).
  5. موقع (القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية)، ويضم بعض الكتب والأبحاث والمقالات المتخصصة في الغالب بتحديات القطاع الخيري وتحديات تنمية القطاع الثالث.
مركز مداد الدولي للأبحاث (حالة دراسية)
يعد المركز الدولي للأبحاث والدراسات، أنموذجا يمكن أن يحتذى في إنشاء المراكز المماثلة، فهو من المراكز المتميزة في إعداد البحوث والدراسات الخيرية المتخصصة وغير الربحية، ويهدف نشاطه إلى إثراء العمل الخيري على نطاق محلي ودولي بالبحوث والمعلومات، التي تدعم بناء القرار الخيري على أسس صحيحة، في إطار من الشراكة مع القطاع الحكومي والتجاري. ويقع المقر الرئيسي للمركز في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية. وتأسس هذا المركز عام 1426هـ، وكان قد رأس مجلس إدارته معالي الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - حوالي عشر سنوات فترة تأسيسه.

وتنص رسالته على أنه: مركز غير ربحي؛ لإثراء العمل الخيري بالبحوث والمعلومات التي تدعم بناء القرار الخيري على أسس علمية واحترافية في إطار من الشراكة الدائمة. كما تنص رؤيته على أنه: مركز مؤثر للتفكير في بناء القرار الخيري. بأهداف يجمع بينها التنمية العلمية والمعرفية، ومن أبرزها: إبراز دور العمل الخيري في استقرار المجتمع وتطويره. تقديم حلول علمية تلبي احتياجات العمل الخيري. تقديم الحلول النظامية والقانونية المتعلقة بالعمل الخيري. وتحقيق التميز المؤسسي للمركز. ويمكن للباحث والقارئ الاستفادة من الثروة العلمية والمعرفية من خلال زيارة موقعه الالكتروني.

ورسالة هذا المقال تقول: إن إنشاء مراكز متخصصة، وجمعيات معنية بالتنمية العلمية والمعرفية المتخصصة بثقافة هذا القطاع، والمهتمة بالتأصيل والاستشارات المعرفية الخاصة بهذا القطاع، أصبح واجبا وضرورة على جميع الجهات المعنية بالتأسيس والتطوير لهذا القطاع الواعد، لتكون إلى جانب الأكاديميات المتخصصة، والأقسام الدراسية والكراسي الجامعية العليا المتخصصة كذلك، لتسهم جميعها في إيجاد (مكتبة موسوعية شاملة)، للوصول إلى معايير القطاع الثالث، وليحظى هذا القطاع بالمكان المناسب في منافسة التجارب العالمية. والله ولي التوفيق.

أخبار ذات صلة

0 تعليق