الشريك الأدبي والمقاهي الثقافية... بين الحضور والأثر

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الشريك الأدبي والمقاهي الثقافية... بين الحضور والأثر, اليوم الأحد 26 أبريل 2026 09:59 مساءً

في السنوات الأخيرة، شهدت المناطق حراكا ثقافيا لافتا، كان الشريك الأدبي أحد أبرز محركاته؛ إذ انتقلت الفعالية الأدبية من فضاءات محدودة إلى أماكن مفتوحة، وتحولت المقاهي إلى منصات تستقبل الشعراء والكتاب والجمهور في مشهد بدا وكأنه يعيد الثقافة إلى الحياة اليومية، وهذا التحول في أصله يستحق الإشادة؛ لأنه كسر احتكار النخبة، ووسع دائرة الوصول، وأعاد تعريف العلاقة بين الأدب والمجتمع.

غير أن هذا الاتساع نفسه يطرح سؤالا أكثر عمقا: هل يكفي أن تنتشر الفعاليات ليقال إن الثقافة تنمو؟ أم أن النمو الحقيقي يقاس بما تتركه هذه الفعاليات من أثر في الوعي؟ هنا تتبدى إشكالية دقيقة، لا تتصل بالمبادرة في جوهرها، بقدر ما تتصل بمنطق تشغيلها؛ إذ حين يقاس النجاح بعدد الأنشطة وكثافة الحضور، يصبح من الطبيعي أن تميل بعض البرامج إلى ما يجذب الجمهور سريعا، ولو كان على حساب ما يبني لديه ذائقة أعمق.

وفي هذا السياق، يظهر خلط يستحق التفكيك بين الثقافة الشعبية والثقافة السطحية؛ فالأولى جزء أصيل من الهوية، ولها حضورها المشروع في أي مشهد ثقافي، بينما الثانية نتاج اختزال التجربة المعرفية في مضمون سريع لا يضيف إلى الوعي إلا قدرا محدودا من التفاعل اللحظي، والمشكلة لا تكمن في حضور الشعر النبطي أو الأمسيات الجماهيرية، بل في أن يتحول هذا الحضور إلى النمط الغالب، بحيث يغيب التنوع الذي تحتاجه أي بيئة ثقافية صحية.

ومن جهة أخرى، كان يفترض بالمقاهي الثقافية أن تكون فضاءات حوار، يتقاطع فيها الرأي مع النقد، وتتشكل فيها الأسئلة قبل الإجابات؛ غير أن بعض التجارب اتجهت - بحكم طبيعة العرض - إلى نمط أقرب إلى التقديم الأحادي، حيث يقدم المحتوى ويستقبل، دون أن يتحول إلى نقاش تفاعلي يرسخ الفكرة ويختبرها، ومع تكرار هذا النمط، يصبح الحضور رقما يخلو من تجربة ثقافية.

وعند هذه النقطة، يبرز الفرق الجوهري بين نشر الثقافة وصناعة الوعي؛ فالنشر يعنى بالوصول والانتشار، وهو هدف مهم في مراحله الأولى، أما الصناعة فتتطلب تدرجا، وتراكما، وتنويعا في الطرح، بحيث ينقل المتلقي من الاستهلاك إلى المشاركة، ومن التلقي إلى التشكيل، وإذا لم يحدث هذا الانتقال، فإن الحراك - مهما اتسع - يظل محدود الأثر.

وبناء على ذلك، لا يبدو الحل في تقليص هذا النشاط أو التشكيك في جدواه، بل في إعادة توجيهه نحو توازن أدق بين الجاذبية والعمق؛ من خلال تنويع الضيوف، وفتح المجال لخطابات فكرية ونقدية، وبناء مسارات ثقافية مترابطة لا تكتفي بالفعل المنفصل، إلى جانب تطوير آليات تقييم تتجاوز الأرقام إلى قياس التحول في الوعي.

أخيرا، تبقى الثقافة فعلا تراكميا لا تختزل قيمته في لحظة حضور، ولا في صورة عابرة، بل فيما يتركه من أثر ممتد في طريقة التفكير والذائقة، ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: كم فعالية أقيمت؟ بل: ماذا غيرت هذه الفعاليات فينا؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال تتحدد ملامح المرحلة القادمة، وتتضح قيمة أي جهد ثقافي يسعى إلى أن يكون أكثر من مجرد حضور.

أخبار ذات صلة

0 تعليق