جاء الإعلان عن صفقة تبادل الأسرى الكبرى في اليمن ليعيد ترتيب أولويات المشهد السياسي والإنساني بعد سنوات من الجمود الميداني، حيث اتفقت الأطراف المتنازعة برعاية الأمم المتحدة وتيسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إطلاق سراح 1728 محتجزاً من مختلف الجبهات، وتأتي هذه الخطوة كأهم اختراق قادته الدبلوماسية الدولية في الآونة الأخيرة لفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول توقيت التفاهمات ودلالاتها السياسية على مستقبل السلام.
وحسب تقرير صحفية وإعلامية فإن الأرقام التفصيلية المعتمدة تكشف عن شمولية جغرافية واسعة شملت كافة خطوط التماس الساخنة، إذ يتضمن الاتفاق الإفراج عن سبعة طيارين سعوديين وعشرين جندياً سودانياً من جبهة الحدود مقابل مئتين وخمسة وأربعين محتجزاً من جماعة الحوثيين، وهو ما يعكس رغبة إقليمية ودولية واضحة في تخفيف حدة الصراع المباشر والبحث عن قنوات اتصال مثمرة تؤسس لمرحلة جديدة من التهدئة المستدامة.
وتوضح المصادر الميدانية أن الثقل الأكبر للعملية تركز في جبهتي مأرب وتعز بالداخل اليمني بإجمالي ثمانمئة وثلاثة عشر محتجزاً من الطرفين، يليهما الساحل الغربي والمحافظات الجنوبية بواقع ستمائة واثنين وأربعين محتجزاً تم اختيارهم لتخفيف الاستنزاف البشري، وتسعى القوى الوسيطة من خلال هذا التوزيع المتوازن لخلق مناخ ملائم من الثقة المتبادلة بين كافة الأطراف العسكرية للتمهيد لتسويات سياسية أوسع نطاقاً خلال المرحلة المقبلة.
وكشف رئيس الوفد الحكومي المفاوض هادي هيج في تصريحات صحفية أن الصفقة الحالية لا يمكن قراءتها كحدث معزول بل تشكل بداية لمسار إنساني متعدد المراحل، حيث تستهل اللجان أعمالها بالتحقق من مصير القيادي السياسي محمد قحطان قبل البدء الفعلي بعمليات النقل، لتنتقل لاحقاً إلى ملفات المفقودين والجثامين وإخلاء السجون المرتبطة بالحرب في خطوة تهدف لإنهاء المعاناة الإنسانية التي طال أمدها.
ملف محمد قحطان يتصدر الواجهة وآليات التحقق تقود تفاهمات مسقط
ويمثل ملف السياسي اليمني البارز والقيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في هذه الجولة المفاوضات الإنسانية الحالية، حيث جرى الاتفاق لأول مرة منذ سنوات على تشكيل لجنة مشتركة تضم عائلته وممثلين عن الصليب الأحمر للتوجه مباشرة إلى صنعاء، ويعتبر سياسيون يمنيون هذا الإجراء بمثابة تنازل إجرائي جوهري من شأنه إنهاء ملف المخفيين قسراً الذي طالما تسبب في عرقلة التفاهمات السابقة.
وأكد هادي هيج أن قضية قحطان شكلت أولوية قصوى للحكومة الشرعية منذ انطلاق مفاوضات الأسرى عام 2018 ولم يتم التخلي عنها في أي جولة، موضحاً أن الاتفاق الأخير وضع آلية صارمة تبدأ بالتحقق من وضعه الصحي والقانوني قبل المضي قدماً في تنفيذ عملية التبادل الشاملة، واعتبر رئيس الوفد أن هذه اللجنة المشتركة ستغلق تماماً المرحلة السابقة التي اتسمت بغياب المعلومات الواضحة والشفافة.
وأضاف رئيس الوفد الحكومي أن ملف المحتجزين مر بمخاض شديد ونقاشات مضنية وحوارات ماراثونية طويلة منذ توقيع أول اتفاق تبادل جزئي في عام 2020، مشيراً إلى أن الصفقة الحالية تعد الأكبر والأشمل على الإطلاق وتأتي نتيجة لضغوط دولية وإقليمية مكثفة مارستها الأمم المتحدة والقوى الكبرى، مشدداً في الوقت ذاته على أن التوافق الكامل بين الطرفين هو الضمانة الوحيدة لنجاح المبادرة.
وشدد هيج على أن الحكومة تصر على التعامل مع هذه القضية باعتبارها ملفاً إنسانياً بحتاً وتفضحه عن الخلافات السياسية الجارية، محذراً من أن دخول هذا الملف الإنساني في دهاليز السياسة الضيقة ومقايضاتها سيعيق خروجه أو تحقيقه لأي تقدم ملموس، ومشيراً إلى أن اتفاق مسقط الموقع أواخر ديسمبر 2025 وضع خارطة طريق متكاملة تشمل النزول الميداني للسجون والبحث عن المفقودين وتحديد الهويات.
موقف جماعة الحوثيين وضبابية الروايات حول مصير القيادات السياسية
من جانبها أعلنت جماعة الحوثيين أن الاتفاق الأخير يتجاوز مجرد تبادل الأسرى والمحتجزين ليمتد إلى انتشال وتسليم جثامين المقاتلين من مختلف الجبهات، وأوضح كبير مفاوضي الجماعة محمد عبد السلام أن التفاهمات جاءت استناداً إلى مرجعيات اتفاق السويد ومخرجات لقاءات مسقط نهاية العام الماضي، معبراً عن تقدير جماعته للجهود الإنسانية التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل اللقاءات.
وفي ما يتعلق بملف السياسي محمد قحطان فقد أحاطت الجماعة القضية بقدر كبير من الغموض عبر تقديم روايات ومعلومات متناقضة، حيث تحدث رئيس لجنة شؤون الأسرى الحوثية عبد القادر المرتضى في وقت سابق عن وجود إشكالية معقدة تم نقاشها في مسقط لحلها، إلا أن الأوساط السياسية فوجئت بتقارير إعلامية تشير إلى إبلاغ الوفد الحوثي للطرف الحكومي بأن قحطان قد قتل إثر غارة جوية عام 2015.
وسارعت عائلة قحطان إلى نفي هذه الأنباء والروايات الحوثية بشكل قاطع محملة الجماعة المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن حياته وسلامته، واعتبرت الأسرة في بيان لها أن استمرار هذا الغموض المتعمد يعكس تعنتاً مستمراً يحاول عرقلة واحد من أكثر الملفات الإنسانية حساسية، ويؤكد مراقبون أن هذا الملف تحديدا يمثل المؤشر الحقيقي على مدى جدية الأطراف في المضي قدماً نحو السلام.
وتسعى الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى تحويل هذا التقارب الإنساني إلى ركيزة أساسية يمكن البناء عليها لاستئناف العملية السياسية المتوقفة، وتطالب التقارير الدولية بضرورة إبداء المرونة الكافية من قبل جماعة الحوثيين وتسهيل عمل اللجنة المشتركة لزيارة المعتقلات، حيث يمثل الكشف عن مصير المخفيين قسرياً خطوة لا غنى عنها لبناء الثقة المطلوبة بين الخصوم تمهيداً لوقف شامل ودائم لإطلاق النار.
الأزمة الاقتصادية الراهنة وانعكاسات الانفراجة الإنسانية على الملفات العالقة
وتأتي هذه الانفراجة الإنسانية الكبيرة في وقت يعاني فيه اليمن من أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة وتدهور غير مسبوق للعملة المحلية، حيث توقع مصدر قيادي في الحكومة الشرعية أن يتحول النجاح في تنفيذ صفقة الأسرى إلى مؤشر سياسي إيجابي، يسهم في إمكانية الانتقال الفوري لمناقشة ملفات أكثر تعقيداً وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين الحكوميين المتوقفة وفتح الطرقات الحيوية المغلقة.
وأشار المصدر الحكومي إلى أن معالجة الانقسام المالي والنقدي بين صنعاء وعدن يمثل ركيزة أساسية لوقف تدهور أسعار الصرف وتحسين الظروف المعيشية، مؤكداً أن أي تقدم ملموس في هذه المسارات الاقتصادية والخدمية سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الميدانية على بناء الحد الأدنى من الثقة، وذلك بعد سنوات طويلة من التعنت والانقسام المؤسسي الذي عمق عذاب المواطنين في مختلف المحافظات.
وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن استمرار توقف تصدير النفط الخام قد حرم الخزينة العامة من موارد مالية ضخمة، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية وتصاعد معدلات التضخم بشكل جنوني، ويرى خبراء أن ربط الملف الإنساني بالاقتصادي قد يشكل مخرجاً آمناً للأطراف إذا ما توفرت الإرادة السياسية، حيث يمثل فتح الموانئ والمطارات والطرق خطوة موازية لعمليات التبادل الحالية.
وتركز النقاشات الجارية في الكواليس الدبلوماسية على ضرورة توحيد السياسة النقدية وإنهاء حالة الانقسام في المصرف المركزي لوقف النزيف الاقتصادي المستمر، وحسب الخبراء فإن نجاح الجسر الجوي للأسرى قد يعطي دفعة قوية للوسطاء الدوليين لطرح ورقة العملة الموحدة وإعادة تفعيل الصادرات النفطية، وهي الخطوات الملحّة لإنقاذ ملايين السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر ويواجهون أزمات غذائية حادة.
ترتيبات الجسر الجوي والجدول الزمني المكثف لعمليات نقل المحتجزين
ومن المقرر قانوناً أن تنطلق الآلية التنفيذية الرسمية للصفقة في الحادي عشر من شهر يوليو من عام 2026 المقبل، حيث ستقود طائرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر جسراً جوياً مكثفاً يربط بين مختلف المطارات اليمنية والإقليمية، ويشهد اليوم الأول تسيير رحلات مباشرة بين العاصمة صنعاء ومدينة عدن لنقل الدفعة الأولى من المفرج عنهم وفق القوائم المعتمدة والمتبادلة بين الطرفين.
ويتضمن الجدول الزمني المعتمد للعملية الانتقال في اليوم الثاني لربط مطارات المملكة العربية السعودية ومحافظة مأرب بالعاصمة صنعاء لتسهيل عودة الجنود والطيارين، على أن تختتم العملية الإنسانية الكبرى في يومها الثالث والأخير بتسيير رحلات تشمل مطارات الساحل الغربي في المخا وتعز، ويضع هذا الترتيب الدقيق والمكثف جميع الأطراف أمام استحقاق ميداني وتعهدات علنية أمام المجتمع الدولي.
ويرى مراقبون للشأن الإقليمي أن هذا الجسر الجوي يتجاوز في دلالاته مجرد عملية تبادل روتينية للمحتجزين والأسرى، بل يمثل اختباراً حقيقياً وبوابة فعلية لكسر حالة الجمود الراهنة التي تبقي اليمن عالقاً بين هدنة غير مكتملة وحرب مستمرة، وسيتضح خلال الأسابيع المقبلة مدى قدرة الأطراف على التحرر من الحسابات السياسية المعقدة والانتقال نحو فضاءات التفاهم البناء الشامل والكامل.
وتستعد الطواقم الطبية والإدارية التابعة للصليب الأحمر الدولي لتجهيز اللوجستيات اللازمة لضمان سلامة وراحة المحتجزين طوال الرحلات الجوية المقررة، وتحظى هذه الترتيبات بمتابعة دقيقة ومباشرة من مجلس الأمن الدولي وممثلي الدول الراعية لعملية السلام، والذين يأملون أن تفضي هذه الخطوة إلى إنهاء تام لملف الأسرى والمعتقلين وتصفير السجون كخطوة أولى وأساسية نحو تحقيق السلام الدائم والشامل.
















0 تعليق