دعا وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، دول الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات جادة وفعلية لتعزيز استقلالها العسكري والتكنولوجي عن الولايات المتحدة الأمريكية، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة الإبقاء على الشراكة الاستراتيجية والصناعية الوثيقة مع الجانب الأمريكي لحماية الأمن الأوروبي.
قاعدة صناعية أوروبية مستقلة وسلاسل توريد آمنة
وجاءت تصريحات بيستوريوس خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة البولندية وارسو، وذلك عقب مراسم توقيع اتفاق دفاعي ثنائي جديد وموسع بين ألمانيا وبولندا؛ حيث ركز وزير الدفاع الألماني على أهمية تحصين القارة الأوروبية عسكرياً عبر تطوير منظوماتها الدفاعية الخاصة. وقال بيستوريوس في هذا الصدد: "نحن بحاجة إلى تحقيق مزيد من الاستقلالية الذاتية لأوروبا فيما يتعلق بسلاسل التوريد الخاصة بنا، فضلاً عن آليات تطوير الأنظمة الدفاعية وإنتاجها محلياً".
وأوضح الوزير الألماني أن الهدف الإستراتيجي الأسمى للاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة يتلخص في خلق نوع من التوازن المتكافئ في القوة العسكرية التقنية مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن تحقيق هذا التوازن لن يتأتى إلا بالاعتماد المباشر على القاعدة الصناعية والتكنولوجية الذاتية لأوروبا، وضخ استثمارات أوسع في قطاع التصنيع العسكري المشترك.
موازنة صعبة بين الاكتفاء الذاتي والتحالف مع واشنطن
ورغم نبرته الداعية للاستقلال التقني، حرص بيستوريوس على صياغة معادلة متوازنة لا تهدف إلى الصدام أو القطيعة مع الحليف الأمريكي؛ حيث أضاف: "يتعين علينا جميعاً، كمنظومة أوروبية واحدة، أن نشتري وننتج المزيد من السلاح والعتاد داخل أوروبا، ولكن دون أن نترك حلفاءنا الأمريكيين جانباً، فهم يمثلون ركيزة ذات أهمية قصوى وعميقة لنا، سواء من الناحية العسكرية الميدانية أو من ناحية الصناعات الدفاعية المتقدمة".
وتأتي هذه الدعوة الألمانية تزامناً مع تنامي النقاشات داخل العواصم الأوروبية حول ضرورة تحمّل دول القارة عبء حماية أمنها الإقليمي، في ظل الضغوط المستمرة من واشنطن لزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء الأوروبيين وتراجع الموثوقية المطلقة في المظلة الأمنية الخارجية.
اتفاق وارسو وبرلين: إطار قانوني جديد لمواجهة تحديات الجناح الشرقي
وعلى صعيد العلاقات الثنائية، يمثل الاتفاق الدفاعي الجديد الذي وقعه بيستوريوس مع نظيره البولندي، فلاديسلاف كوسينياك-كاميش، خطوة استراتيجية لتحديث العلاقات العسكرية بين الجارتين؛ حيث جاء التوقيع متزامناً مع الذكرى الخامسة والثلاثين لمعاهدة حسن الجوار والمجتمع المشترك. ويحل هذا الاتفاق الجديد بدلاً من الاتفاق الإطاري السابق الذي كان سارياً بين حكومتي البلدين لمدة 15 عاماً (منذ عام 2011).
ووفقاً للمعلومات الصادرة عن وزارة الدفاع البولندية، فإن الاتفاق الجديد لا يتضمن بنداً لمنح ضمانات أمنية عسكرية متبادلة خارج إطار الالتزامات التقليدية القائمة بالفعل في مواثيق حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، كما أنه لا يمهد لنشر دائم ومستمر للقوات الألمانية فوق الأراضي البولندية.
وبدلاً من ذلك، يؤسس الاتفاق لقواعد عمل وتنسيق عملياتي حديث يواكب مستجدات البيئة الأمنية الراهنة في منطقة وسط وشرق أوروبا، مع التركيز على ملفات حيوية مثل تعزيز القدرات المشتركة في مجال الأمن السيبراني، وتطوير تكنولوجيا الدفاع الحديثة، وتأمين الملاحة في بحر البلطيق، بالإضافة إلى تسهيل حركة النقل والإمداد اللوجستي العسكري (المرونة العسكرية) عبر الحدود لدعم الجبهة الشرقية للحلف.


















0 تعليق