زي النهاردة، كواليس المؤامرة الدموية التي أنهت حياة الخديوي عباس حلمي الأول وتكتمت عليها الحكومة

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
زي النهاردة، كواليس المؤامرة الدموية التي أنهت حياة الخديوي عباس حلمي الأول وتكتمت عليها الحكومة, اليوم الاثنين 13 يوليو 2026 10:00 صباحاً

في مثل هذه اليوم من عام 1854، استيقظت مصر على واحد من أعقد أسرار السياسة والحكم في تاريخ أسرة محمد علي باشا؛ إذ تم إعلان الوفاة المفاجئة لوالي البلاد الخديوي عباس حلمي الأول داخل قصره في بنها، ورغم الغموض الذي أحيط بالوفاة منذ ساعاتها الأولى لكن انقشع عنها الستار لاحقًا لتكشف عن عملية اغتيال دامية نفذها أقرب مماليكه وحراسه سرًا.

من هو عباس الأول؟

ولد عباس حلمي الأول عام 1813 في شبه الجزيرة العربية، حيث كان والده الأمير أحمد طوسون باشا يقود الحملات العسكرية لإخماد الدولة السعودية الأولى

نشأ عباس في بيئة تشبعت بالعسكرية الصارمة، وعاد إلى القاهرة طفلًا بعد وفاة والده المفاجئة، لينشأ تحت رعاية جده محمد علي باشا الذي قربه إليه، وأسند إليه مناصب إدارية وعسكرية حاسمة، مثل رئاسة ديوان الخديوي، والقيادة في مديرية الغربية، بالإضافة إلى مشاركته مع عمه إبراهيم باشا في الحملات العسكرية بالشام.

ومع ذلك شخصية عباس الأول كانت لغزًا، ومزيجًا معقدًا من الصراعات النفسية والفكرية التي شكلت قراراته لاحقًا، فعلى عكس عمه إبراهيم باشا أو ابن عمه سعيد باشا، كان عباس يكره مظاهر التغريب التي اجتاحت النخبة المصرية. كان يميل إلى التدين المحافظ، ويفضل التقاليد الشرقية القديمة، ويرى في الخبراء الأوروبيين مجرد أدوات استعمارية لنهب مقدرات البلاد.

بسبب أفكاره المختلفة، لم يكن عباس حلمي يثق بأحد من أفراد أسرته، وكان دائم الخوف من مؤامرات الاغتيال أو العزل. هذا التوجس دفعه تدريجيًا إلى هجر العاصمة القاهرة، وبناء قصور منعزلة في الصحراء أو أطراف المدن مثل قصر العباسية في قلب الصحراء، وقصر بنها على النيل، وأحاط نفسه بحراسة مشددة من المماليك الشراكسة الذين كان يظن أنهم وحدهم أهل الولاء.

كيف صعد الخديوي عباس إلى عرش مصر؟

لم يصعد عباس الأول إلى حكم مصر نتيجة انقلاب أو صراع مسلح، بل جاء تطبيقًا شرعيًا ودستوريًا صارمًا لـ فرمان 1841 العثماني، الذي جعل حكم مصر وراثيًا في أكبر ذكور أسرة محمد علي باشا سنًا، فعندما اشتد المرض بجده محمد علي، تولى إبراهيم باشا إدارة البلاد، لكن حكم إبراهيم لم يدم سوى بضعة أشهر وتوفي في نوفمبر 1848. وبما أن عباس كان هو الأكبر سنًا في العائلة بموجب القواعد المتبعة، صعد رسميًا إلى سدة الحكم بفرمان من الباب العالي في الآستانة، ليبدأ عهده الذي استمر قرابة 6 سنوات.

واتسم مشروع عباس الأول السياسي والاقتصادي بنظرة مغايرة لمشروع محمد علي، وتلخصت ملامحه في تفكيك نظام الاحتكار الاقتصادي الذي فرضه جده، وترك للمصريين حرية التجارة والزراعة، وخفف الضرائب والمظالم مثل السخرة والجهادية التي أنهكت الفلاحين.

لكنه على النقيض وبسبب نزعته المحافظة وضعف الميزانية، أغلق العديد من المدارس العليا والمصانع التي أنشأها محمد علي، وقام بتسريح أجزاء كبيرة من الجيش، كما رفض مشروع قناة السويس تماما، وبديلا عنه وافق على إنشاء أول خط سكة حديد في مصر والشرق الأوسط يربط بين القاهرة والإسكندرية عام 1851 بالتنسيق مع بريطانيا، بهدف ضرب النفوذ الفرنسي الذي كان يضغط لشق قناة السويس، والتي رفضها عباس تمامًا لحماية سيادة مصر.

صدام الخديوي عباس مع النخبة المصرية والقوى الدولية

تعددت جبهات العداء ضد عباس الأول بسبب أسلوبه الخشن في الإدارة، حيث ناصب أفراد أسرته العداء، وضيق الخناق على أعمامه وعماته، وحاول تغيير نظام وراثة العرش لصالح ابنه إلهامي باشا بدلًا من عمه سعيد، مما دفع أقطاب العائلة للهروب إلى الأستانة أو فرنسا والتآمر ضده.

كما أقصى العلماء والخبراء الذين تربوا في أحضان الثقافة الفرنسية مثل رفاعة الطهطاوي الذي نفاه إلى السودان تحت ستار تأسيس مدرسة ابتدائية، كما حارب المشروعات الفرنسية في مصر وعلى رأسها قناة السويس، مما جعل الدبلوماسية الفرنسية تشن ضده حربًا إعلامية وتصفه في تقاريرها بـ المستبد غريب الأطوار. 

كواليس ليلة اغتيال عباس حلمي الغامضة في قصر بنها

وصل توجس عباس إلى ذروته في الصيف الأخير من حياته، فاعتزل في قصره بمدينة بنها. وفي ليلة 13 يوليو 1854، حدث ما كان يخشاه طوال حياته؛ حيث تآمر عليه اثنان من مماليكه المقربين وحراسه الشخصيين يدعيان خليل وشاهين، والذين استغلوا نومه ودخلوا حجرته وقاموا بخنقه بالوسائد والأغطية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، بدافع الانتقام من قسوته الشديدة ضدهم. 

وفي محاولة لتدارك الكارثة وتأمين انتقال السلطة دون فوضى، قام القائمقام علي باشا مبارك وبعض الوزراء بوضع جثة الوالي الميت داخل عربته الملكية كأنه لا يزال حيًا ومريضًا، وتم نقله سرًا إلى قصر العباسية بالقاهرة، قبل أن يعلن رسميًا عن وفاته بـ السكتة الدماغية لإغلاق باب الفتنة في البلاد. 

وينقل المؤرخ أحمد شفيق باشا رئيس الديوان الملكي أنذاك في مذكراته، كواليس نقل عباس حلمي قائلا: "لم يشأ الوزراء إعلان مقتله في بنها خوفًا من اضطراب الأمن، فأجلسوا الجثة في العربة كأنه حي، وسار الركب به إلى القاهرة، ولم يعلم أحد بموته إلا بعد أن استقرت جثته في قصر العباسية وتم تأمين ولاية سعيد باشا".

كما سجل القنصل الفرنسي في تقاريره رأيه في اغتيال حلمي: "لقد اختفى عباس من المسرح السياسي بالطريقة ذاتها التي كان يخشاها دائمًا، مات مخنوقًا في عزلته، لينتهي عهد التزمت الشرقي وتبدأ مصر صفحة جديدة أكثر انفتاحًا مع خلفه سعيد".

ورغم اتفاق عدد من الباحثين والمؤرخين العرب والأجانب على أن عباس حلمي الأول كان أقرب إلى حاكم رجعي يكره المدنية، لكن هناك قراءات أخرى ترى أن الرجل كان يمتلك مشروعًا وطنيًا محافظًا يهدف إلى حماية البلاد من التغلغل الأوروبي الفج، ليدفع حياته ثمنًا لصراع الإرادات بين التقاليد الشرقية التي يهواها ويفضلها، وانفتاح النخبة المصرية والعائلة الحاكمة على الثقافة الغربية والعالم الحر. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق