شهدت الساحة السياسية والدبلوماسية تطوراً مفاجئاً يعيد للأذهان توترات العقود الماضية بين واشنطن وطهران، حيث اتخذت الإدارة الأميركية قراراً حاسماً بإنهاء تواجد نجل السياسية الإيرانية البارزة معصومة إبتكار فوق أراضيها. ويأتي هذا التحرك ليعكس صرامة متزايدة في التعامل مع الشخصيات المرتبطة بالنظام الإيراني، مما يضع عيسى هاشمي وعائلته في مواجهة مباشرة مع إجراءات الترحيل الفوري عقب سنوات من الإقامة الهادئة في الولايات المتحدة التي لطالما هاجمتها والدته.
وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً إلغاء البطاقة الخضراء الخاصة بعيسى هاشمي وأفراد أسرته بشكل نهائي ومفاجئ. وأوضح البيان أن هذه الخطوة جاءت نتيجة لارتباطهم المباشر بمسؤولين رفيعي المستوى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو ما دفع العناصر الفيدرالية للتحرك السريع واعتقالهم. وتنتظر العائلة حالياً إتمام الإجراءات القانونية اللازمة لنقلهم خارج الحدود الأميركية تحت إشراف دائرة الهجرة والجمارك التي باشرت مهامها فور صدور القرار.
تضمن البيان تفاصيل حول هوية المحتجزين، حيث أشار إلى أن مريم طهماسبی، زوجة عيسى هاشمي، وابنهما مبين، قد تم التحفظ عليهم أيضاً ضمن هذه الإجراءات. وتؤكد المصادر الرسمية أن العائلة محتجزة حالياً في مراكز تابعة لدائرة الهجرة والجمارك الأميركية المعروفة اختصاراً بـ "ICE". وتعد هذه الخطوة بمثابة رسالة سياسية قوية حول مراجعة ملفات إقامة أقارب المسؤولين الإيرانيين الذين يتمتعون بامتيازات العيش في الغرب بينما يتبنون خطابات معادية له.
سقوط الحماية وإلغاء الإقامة الدائمة
نشرت إدارة الهجرة الأميركية رسالة عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس" تؤكد فيها على المعايير الصارمة التي تتبعها في منح أو سحب الإقامات. وجاء في الرسالة أنه إذا وجد سبب يدعو للاعتقاد بأن حامل البطاقة الخضراء يشكل تهديداً للأمن القومي أو يرتبط بجهات معادية، فإن إلغاءها يصبح أمراً حتمياً. وتعكس هذه السياسة رغبة واشنطن في تضييق الخناق على النخب المرتبطة بالقيادة الإيرانية التي تعيش حياة مزدوجة بين البلدين.
وتعود جذور هذه القضية إلى سنوات مضت، حيث ارتبط اسم عيسى هاشمي بالجدل بسبب التاريخ السياسي الطويل الذي تحمله والدته معصومة إبتكار. وكانت هذه العائلة قد دخلت الولايات المتحدة في عام 2014، مستفيدة من تأشيرات صدرت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. ومن المفارقات التاريخية أن العائلة حصلت لاحقاً في عام 2016 على الإقامة الدائمة من خلال برنامج تأشيرة التنوع، وهو البرنامج الذي يفتح أبواب الهجرة لآلاف الأشخاص سنوياً.
الخارجية الأميركية لم تكتفِ بإلغاء الإقامة، بل استعرضت في بيانها الخلفية التاريخية لهذه الخطوة، مشيرة إلى دور معصومة إبتكار في أزمة الرهائن الشهيرة عام 1979. لقد كانت إبتكار حينها الوجه الإعلامي والمتحدثة الرسمية باسم الطلاب الذين اقتحموا السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 دبلوماسياً أميركياً. تلك الحادثة التي استمرت لمدة 444 يوماً تركت جرحاً غائراً في الذاكرة السياسية الأميركية، ويبدو أنها لا تزال تلقي بظلالها على قرارات اليوم.
تاريخ معصومة إبتكار في أزمة الرهائن
وصف البيان الأميركي المسؤول الإيرانية السابقة بأنها كانت المروج الرئيس لعملية احتجاز الرهائن التي غيرت مسار العلاقات الدولية. واتهمتها واشنطن بمحاولة تضليل الرأي العام العالمي من خلال إعداد مقابلات إعلامية موجهة لإظهار أن الرهائن يعيشون في ظروف جيدة. بينما تشير التقارير الأميركية إلى أن الدبلوماسيين كانوا يعانون من ضغوط جسدية ونفسية هائلة، وكانوا محتجزين في زنازين انفرادية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية التي حاولت إبتكار تجميل صورتها آنذاك.
لم يتوقف المسار السياسي لهذه السيدة عند حدود تلك الحادثة، بل تقلدت معصومة إبتكار مناصب حكومية رفيعة المستوى على مدار عقود. فقد شغلت منصب نائبة الرئيس ورئيسة منظمة حماية البيئة في عهد محمد خاتمي، ثم عادت لتشغل مناصب قيادية في عهد حسن روحاني. هذا التغلغل في مفاصل الدولة الإيرانية جعل من وجود نجلها في الولايات المتحدة مادة خصبة للانتقادات، خاصة من قبل المعارضة الإيرانية التي ترى في ذلك نفاقاً سياسياً صارخاً.
وتشير السجلات إلى أن الإدارة الأميركية الحالية بدأت في مراجعة شاملة لملفات الشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري والقيادات العليا في طهران. ولم يكن نجل إبتكار هو الوحيد الذي طاولته هذه الإجراءات الصارمة في الآونة الأخيرة. فقد أعلنت الوزارة أيضاً عن إلغاء إقامة حميدة أفشار سليماني، وهي من قريبات القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني، وابنتها. وتم إيداعهما أيضاً لدى دائرة الهجرة والجمارك في انتظار الترحيل، مما يشير إلى نهج شامل.
حملات الضغط ومصير أقارب المسؤولين
تعتبر مسألة تواجد أبناء المسؤولين الإيرانيين في العواصم الغربية من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في أوساط المهاجرين والمعارضين. فبينما ترفع طهران شعارات "الموت لأميركا" في ميادينها العامة، يختار أبناء النخبة الحاكمة الجامعات والمدن الأميركية مقراً لعيشهم ودراستهم. وقد انطلقت حملات واسعة تطالب الحكومة الأميركية بوقف ما يسمونه "تسلل أقارب النظام"، مؤكدين أن هؤلاء الأشخاص يستفيدون من خيرات الدول التي يعمل آباؤهم على تقويض استقرارها ومعاداتها علناً.
إن التحول في الموقف الأميركي يعكس ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، حيث يطالب المشرعون بضرورة اتساق السياسة الخارجية مع إجراءات الهجرة. ويبدو أن اعتقال عيسى هاشمي وعائلته يمثل ذروة هذه الضغوط، خاصة مع تزايد التوتر في منطقة الشرق الأوسط وتصاعد المواجهات غير المباشرة. وتؤكد التقارير أن هذه العمليات تتم بدقة عالية لضمان عدم وجود ثغرات قانونية تسمح لهؤلاء الأشخاص بالبقاء، خاصة بعد ثبوت ارتباطاتهم الوثيقة بمسؤولي النظام.
في الختام، تظل قصة عيسى هاشمي ووالدته معصومة إبتكار فصلاً جديداً في كتاب الصراع الطويل بين الثورة الإسلامية والولايات المتحدة. فبينما كانت الأم تتحدث باسم محتجزي الرهائن قبل عقود، وجد الابن نفسه اليوم في قبضة السلطات ذاتها التي كانت والدته تهاجمها. ومع انتظار طائرة الترحيل، تنتهي رحلة عائلة هاشمي في الأراضي الأميركية، لتبدأ مرحلة جديدة من السجال السياسي حول جدوى وجود "أبناء النظام" في قلب العالم الغربي.








0 تعليق