الرعاية الصحية بين الالتزامات الدولية والانتهاكات المستمرة

الشرق السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

محليات

6

07 مايو 2026 , 04:40م
alsharq

الدوحة - قنا

بعد مرور عشر سنوات على اعتماد قرار أممي تاريخي يرمي إلى حماية الرعاية الصحية في حالات النزاع المسلح، لا يزال الواقع يشهد انتهاكات مقلقة ومستمرة تطال المستشفيات والعيادات والكوادر الطبية والمرضى على حد سواء. فقد أكد مسؤولون دوليون رفيعو المستوى أن الالتزامات الدولية التي أُعلنت لم تُترجم بعد إلى إجراءات ملموسة على الأرض، ما يجعل حماية الرعاية الصحية مجرد شعار يتردد في المنابر الدولية دون أن يصبح واقعاً محمياً، وحثوا قادة العالم على التحرك، وإبداء ما يلزم من إرادة سياسية لوقف هذه الانتهاكات، مؤكدين على مبدأ أساسي لا ينبغي أن يكون محل جدل وهو: ألا تكون الرعاية الصحية أبداً ضحية للحرب.

وتأتي هذه المناسبة فيما تتواصل الانتهاكات في مناطق النزاع المختلفة، سواء من خلال الهجمات المباشرة أو الحصار أو التدمير المتعمد للبنية التحتية الصحية، حيث لم تعد المستشفيات في مناطق النزاعات أماكن آمنة، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أهداف للهجمات، وهو ما يحول دون وصول المحتاجين إلى الخدمات الطبية الأساسية، ويفاقم معاناة المدنيين، ويُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وحذّرت ثلاث من أبرز المنظمات الصحية في العالم هي (منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود) من تفاقم أوضاع الرعاية الصحية في مناطق النزاعات، مؤكدة أن استهداف المرافق الصحية ووسائل النقل والعاملين في القطاع الطبي لم يتراجع، بل ازداد حدة في السنوات الأخيرة، الأمر الذي  يطرح تساؤلًا حول مدى فعالية القوانين الدولية في حماية القطاع الصحي.

وكان القرار الدولي رقم 2286، الذي تم اعتماده في مايو 2016، قد نص على حماية المنشآت الطبية والمرضى والعاملين الصحيين، كما أدان الهجمات ضدهم، وطالب أيضا أطراف النزاع باحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وكذلك تسهيل وصول الطواقم الطبية إلى مناطق النزاع واتخاذ تدابير لمنع الهجمات وإجراء تحقيقات مستقلة، إضافة إلى إدانة الإفلات من العقاب.

وقال الدكتورعبدالله بندر العتيبي أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إنه بعد عقد من اعتماد قرار مجلس الأمن 2286، تتكشف ثغرات بنيوية متشابكة حالت دون تحويله إلى واقع محمي، فعلى المستوى القانوني، يفتقر القرار إلى آلية إنفاذ ذاتية ومستقلة؛ فهو يُحيل المسؤولية إلى الدول والأطراف المتحاربة، دون أن يُنشئ هيئة رقابية دائمة تتابع الامتثال وترفع تقارير دورية ملزمة، كما أن صياغته جاءت في إطار توافقي عام، يُذكّر بالالتزامات القائمة في اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين، دون أن يُضيف عقوبات تلقائية على المنتهكين.

وأوضح أنه على المستوى السياسي، تكمن الثغرة الأخطر في ازدواجية المعايير داخل مجلس الأمن نفسه، إذ يتعطل أي مشروع قرار للمساءلة بفعل حق النقض (الفيتو)، وتتحول حماية المنشآت الصحية إلى ورقة تفاوضية بدلاً من أن تكون التزاماً مطلقاً.، لافتا إلى أنه يُضاف إلى ذلك ضعف منظومة الإبلاغ والتحقق، فالأمين العام يُقدم تقارير سنوية، لكنها لا تُسمي المسؤولين بصراحة في كثير من الأحيان، ولا تُترجم إلى إجراءات قسرية، والنتيجة أن القرار 2286 ظل إطاراً معيارياً نبيلاً، لكنه عاجز عن مواجهة منطق القوة الذي يحكم النزاعات الراهنة.

وفي رده على سؤال عما إذا كان  مبدأ "الرعاية الصحية ليست هدفاً" مجرد قاعدة شكلية في القانون الدولي الإنساني، أم أنه لا يزال يحتفظ بقوة إلزامية حقيقية، قال الدكتور العتيبي "إن المبدأ يحتفظ بقوته الإلزامية القانونية كاملة؛ فهو مكرس في المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة، ويُعد من قواعد القانون الدولي العرفي الملزمة لجميع الأطراف، دولاً كانت أم جماعات مسلحة، غير أن الفجوة بين القاعدة القانونية والممارسة الفعلية اتسعت إلى حد مقلق"، معتبرا ما يحدث في غزة من تدمير ممنهج للمنظومة الصحية، وما شهدته أوكرانيا وسوريا واليمن والسودان من استهداف للمستشفيات وسيارات الإسعاف والكوادر الطبية، يكشف أن المشكلة ليست في النص بل في غياب الكلفة، فحين يستهدف طرف ما مستشفى دون أن يواجه عقوبة قضائية أو سياسية حقيقية، تتحول القاعدة تدريجياً من رادع إلى مجرد توصيف أخلاقي، ومع ذلك، ينبغي التمسك بأن هذا المبدأ ليس شكلياً؛ فهو يبقى الأساس الذي تُبنى عليه الملاحقات القضائية مستقبلاً، ومرجعية لا غنى عنها للمنظمات الإنسانية ولوسائل الإعلام والرأي العام العالمي، والتحدي الحقيقي هو إعادة تفعيل قوته الإلزامية عبر المساءلة، لا الاعتراف بهزيمته.

 وعن فعالية آليات المساءلة الدولية الحالية مثل المحكمة الجنائية الدولية، ولجان التحقيق، والعقوبات الفردية ودورها في ردع مرتكبي الانتهاكات ضد البنية التحتية الصحية والعاملين فيها، أكد الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، أن التقييم الموضوعي لآليات المساءلة القائمة يكشف قصوراً واضحاً، وإن كانت تحتفظ بقدر من الأهمية الرمزية والمعيارية، فالمحكمة الجنائية الدولية، رغم أن نظامها الأساسي يُجرم صراحة الهجمات على المستشفيات والكوادر الطبية بوصفها جرائم حرب، تواجه عقبات جوهرية مثل: محدودية اختصاصها على الدول غير الأطراف، وبطء إجراءاتها، وتسييس بعض ملفاتها، فضلاً عن ضغوط تتعرض لها من دول كبرى عند اقترابها من ملفات حساسة، والنتيجة أن منظومة المساءلة الحالية تُحقق ردعاً جزئياً ومتأخراً، لا ردعاً وقائياً، ولكي تستعيد فعاليتها تحتاج إلى استقلالية حقيقية عن الحسابات الجيوسياسية.

وأبرز الدكتور العتيبي أن الدبلوماسية الوقائية هي حلقة الوصل المفقودة بين النص والتطبيق، وقال إن تحويل شعار ألا تكون الرعاية الصحية ضحية للحرب إلى سياسة ملزمة يتطلب عملاً متعدد المستويات: أولاً، إدراج بنود حماية المنشآت الصحية بشكل صريح وتفصيلي في كل اتفاقيات وقف إطلاق النار والمفاوضات. ثانياً، تفعيل آليات الإنذار المبكر التي تتيح للمنظومة الأممية ومنظمة الصحة العالمية رصد الانتهاكات لحظياً والتحرك قبل تصاعدها. كما أن القيادة السياسية المطلوبة من الدول الأعضاء تتجلى في الاستعداد لدفع كلفة المواقف المبدئية، لا الاكتفاء بالتصريحات، وذلك يشمل ربط المساعدات العسكرية والاقتصادية بسجل احترام البنية الصحية، والضغط الدبلوماسي الجماعي على الأطراف المنتهكة بصرف النظر عن طبيعة التحالفات.

كما أكد الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر أن دولة قطر، من خلال دورها الكبير كوسيط ، تُقدّم نموذجاً مهماً لكيفية توظيف الدبلوماسية الإنسانية لحماية الفضاء الطبي في النزاعات، ويمكن البناء على هذه التجربة لتطوير تحالف دولي من الدول المتوسطة الحجم يُدافع عن مدنية الرعاية الصحية بمعزل عن الاستقطابات الكبرى.

وحول ما إذا كانت هناك حاجة لتطوير بروتوكول إضافي أو اتفاقية جديدة خاصة بحماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة، أم أن المشكلة تكمن أساساً في ضعف الإرادة السياسية وليس في النصوص القانونية، أوضح الدكتور عبدالله بندر العتيبي أن الإجابة تجمع بين الأمرين، مع ترجيح واضح لكفة الإرادة السياسية. فالنصوص القانونية القائمة تُشكل في مجموعها منظومة حماية متكاملة نظرياً، فهي تُحرم الهجمات، وتُجرم مرتكبيها، وتُلزم بحماية الكوادر والمنشآت والمرضى، والمشكلة الجوهرية ليست في فراغ تشريعي بل في فراغ تنفيذي، ومع ذلك، ثمة مجالات يمكن فيها لصك قانوني جديد أو ملحق تكميلي أن يُضيف قيمة، خاصة في القضايا التي استجدّت أو تطورت مثل حماية البيانات الصحية والبنية التحتية الرقمية للمستشفيات من الهجمات السيبرانية، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة في مناطق وجود مرافق طبية، وتوضيح حدود ادعاء الاستخدام المزدوج الذي تتذرع به بعض الأطراف لتبرير استهداف المستشفيات.

وبخصوص الآثار القانونية والإنسانية طويلة الأمد لاستمرار هذه الانتهاكات، قال الدكتور عبد الله بندر العتيبي في حديثه لـ/قنا/ "إن استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة يُنتج آثاراً تتجاوز اللحظة الراهنة إلى بنية النظام الدولي ذاته. فعلى المستوى القانوني، نشهد تآكلاً تدريجياً لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني منذ قرن ونصف، وحين تتحول الاستثناءات إلى ممارسة معتادة، تفقد القاعدة معناها، ويصبح ما كان جريمة حرب بالأمس مجرد ضرر جانبي اليوم، وقد يُنظر إليه غداً باعتباره تكتيكاً مشروعاً".

ولفت إلى أنه على صعيد حقوق الإنسان، تترك هذه الانتهاكات جروحاً جيلية: مجتمعات بأكملها تُحرم من منظومات صحية لعقود، وأمراض كان يمكن الوقاية منها تعود للانتشار، وأطفال يولدون في ظل غياب الرعاية الأساسية. والكلفة الإنسانية لا تُقاس فقط بالقتلى المباشرين للقصف، بل بأضعافهم من ضحايا انهيار المنظومة الصحية على المدى البعيد، أما على الاستقرار الدولي، فإن الإفلات من العقاب يُغذي ثقافة الإفلات في نزاعات قادمة، ويُضعف ثقة الشعوب في المنظومة الأممية ومؤسسات العدالة الدولية، ويفتح الباب أمام نسبية أخلاقية خطيرة تُفرّق بين الضحايا بحسب جنسياتهم أو انتماءاتهم.

وشدد الدكتور العتيبي على أن هذا التآكل في الثقة يُهدد شرعية القانون الدولي الإنساني برمته، وهو القانون الذي بُني أصلاً على افتراض كونية قواعده، معتبرا أن التحدي أمام المجتمع الدولي ليس فقط إنقاذ المستشفيات في النزاعات الراهنة، بل إنقاذ فكرة أن للحرب حدوداً أخلاقية وقانونية لا يجوز تجاوزها، "فإذا سقطت الرعاية الصحية كمبدأ محرم، فما الذي سيبقى محرماً بعدها؟".

أخبار ذات صلة

مساحة إعلانية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق