
في الذاكرة الشعبية العربية، كان “الكاتب” شخصيةً محورية، يكادُ لا يخلو منه حيٌّ أو قرية؛ هو مستودع أسرار المغتربين، وجسر التواصل بين الأمهات وأبنائهن في الأصقاع البعيدة. كان الناس يقصدونه حاملاً لواء المهارة النادرة، حتى إن بعض الرسائل كانت تُعنون بأسماء الجيران لضمان وجود “عينٍ قارئة” و”يدٍ كاتبة” تترجم المشاعر إلى حبر. كانت الأمية آنذاك مرتبطة بشحّ الفرص التعليمية، أما اليوم، فنحن أمام مفارقة صادمة: نحن في ذروة زمن “الانفجار المعرفي”، ومع ذلك نكادُ نواجه نوعاً جديداً من “الأمية المهارية”.
لقد وهبنا العصر الرقمي لوحات مفاتيح ذكية وشاشاتٍ تفاعلية، لكنها في المقابل سلبت أجيالنا “هيبة القلم”. نشاهد اليوم طلاباً يمتلكون قدراتٍ تقنية فائقة، لكنهم يقفون عاجزين أمام ورقة بيضاء؛ تخذلهم “القبضة” في مسك القلم، وتتعثر أناملهم في رسم الحرف، حتى غدت كتاباتهم طلاسم لا تُفك شفرتها. بل إن الأزمة امتدت لتطال لغة الأرقام؛ فتراهم يخلطون بين الأرقام العربية والإنجليزية، ويضطربون في تدوين أبسط البيانات الحيوية كأرقام الهوية أو الجوال، في ارتباكٍ واضحٍ بين اتجاهات الكتابة.
إن التخلي عن الكتابة اليدوية ليس مجرد تخلٍّ عن وسيلة تقليدية، بل هو تنازل عن مهارة ذهنية وعصبية بالغة التعقيد. فالدراسات التربوية تؤكد أن الكتابة بالقلم ليست نشاطاً حركياً فحسب، بل هي عملية تعزز التركيز، وتنظم الأفكار، وتضبط إيقاع الحرف والرقم في وعي الطالب. إنها “رياضة ذهنية” تنحت الهوية الثقافية في عقل الطفل، وإهمالها يعني انحدارنا نحو “أمية الكتابة اليدوية”؛ حيث يصبح العقل رهينةً للتصحيح التلقائي والذكاء الاصطناعي.
إننا لا ندعو هنا إلى صراعٍ مع التقنية، فهي ضرورة العصر ووسيلته، لكننا نرفض أن تكون “بديلةً” للمهارات الأساسية. لوحة المفاتيح قد تُنجز العمل بسرعة، لكن القلم هو من يبني الفكر بدقة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى دورٍ محوري لوزارة التعليم في إعادة الاعتبار لمواد الخط والإملاء، ليس كمواد هامشية، بل كركائز أساسية في التقييم. كما تقع المسؤولية على عاتق الأسرة في إعادة “طقس الكتابة” للمنزل؛ عبر تشجيع الأبناء على تدوين الملاحظات اليومية، أو كتابة قوائم المشتريات، أو حتى تدوين مذكرات بسيطة بالقلم.
من المؤلم أن نتحول من زمنٍ كان الناس فيه يحتاجون لـ “كاتب” لندرة المدارس، إلى زمنٍ نحتاج فيه لمن يكتب نيابةً عن أبنائنا رغم امتلاء المدارس والجامعات. الحفاظ على القلم ليس نكوصاً للماضي أو حنيناً عاطفياً، بل هو استثمار في بناء جيلٍ يمتلك السيطرة على أدواته، فلا تكسره شاشةٌ مطفأة، ولا يعجزه غيابُ لوحة المفاتيح.
بقلم / د. عبدالله بن قاسم بن دغيّم
متخصص في علم الاجتماع التنمية والتغير
السبت 16 مايو 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )


















0 تعليق