صحيفة فلسطين.. علامة فارقة في تاريخ الصحافة العربية

الراية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الدوحة -الراية :

تُعدّ صحيفة فلسطين حجر الأساس للصحافة الفلسطينية الحديثة، بوصفها أول صحيفة يومية منتظمة تصدر في مدينة يافا، التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً وصحفياً بارزاً في بلاد الشام خلال العهد العثماني.

وقد مثّل صدورها عام 1911 محطة مفصلية في تاريخ الإعلام العربي، في مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية متسارعة أعقبت ثورة تركيا الفتاة، وأسهمت في بروز صحافة عربية محلية تعبّر عن قضايا المجتمع وتطلعاته الوطنية.

وتمثل الصحيفة علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي، ومرجعاً أساسياً لفهم تطور الصحافة الفلسطينية الحديثة، وإحدى اللبنات الأولى في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، والدفاع عن الهوية العربية في مواجهة التحولات السياسية والاستعمارية في القرن العشرين.

عيسى العيسى

ارتبط تاريخ الجريدة ارتباطاً وثيقاً بسيرة مؤسسها الصحفي عيسى العيسى، أحد أبرز رواد الصحافة العربية في فلسطين، وشريكه ابن عمه يوسف العيسى.

وُلد عيسى العيسى في يافا عام 1878 لأسرة أرثوذكسية تعمل في تجارة الزيت والصابون، وتلقى تعليمه في مدارس يافا، ولبنان، قبل أن يلتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، حيث أتقن عدداً من اللغات الأجنبية، وبرز اهتمامه المبكر بالصحافة من خلال إصدار مجلة «النخب» عام 1897 وهو لا يزال طالباً. وتنقّل لاحقاً بين وظائف متعددة في القدس ومصر والسودان، قبل أن يعود إلى يافا ويعمل في البنك العثماني لفترة وجيزة.

في 15 يناير 1911، أسس العيسى جريدة «فلسطين»، التي صدرت مرتين أسبوعياً في بداياتها، مقدمة نفسها كصحيفة عثمانية دستورية تُعنى بالمصلحة العامة، قبل أن تتجه تدريجياً نحو الفكر القومي العربي والدفاع عن الحقوق العربية في فلسطين. وقد ضمّت صفحاتها افتتاحيات سياسية وإصلاحية، إلى جانب الأخبار المحلية والعثمانية، مع اهتمام مبكر بالتحذير من مخاطر المشروع الصهيوني.

توثيق التحولات

وبحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يُعد عيسى العيسى من أبرز الصحفيين الفلسطينيين في القرن العشرين، وقد تميزت صحيفة «فلسطين» بالمهنية العالية، واتساع شبكة مراسليها، ودقة تغطيتها للأحداث، ما جعلها نموذجاً يُحتذى به بين صحف بلاد الشام ومرجعاً مهماً لتوثيق التحولات السياسية في فلسطين والمنطقة.

كان العيسى من أوائل المناهضين للمشروع الصهيوني، وواجه هيمنة الإكليروس اليوناني على الكنيسة الأرثوذكسية، داعياً إلى تحرير الطائفة الأرثوذكسية العربية من سلطته. وانخرط في دعم الحركات الإصلاحية، ومنها حزب اللامركزية الإدارية العثمانية، وشارك في مراسلات سياسية بارزة، من بينها دعم مؤتمر باريس العربي عام 1913.

تضيق متصاعد

بيد أن الصحيفة واجهت تضييقاً متصاعداً من السلطات العثمانية، ما أدى إلى إغلاقها عام 1913، وملاحقة العيسى ونفيه إلى الأناضول، قبل أن يستأنف نشاطه الصحفي والسياسي بعد الحرب العالمية الأولى من دمشق ضمن الإدارة العربية في عهد الأمير فيصل.

وقد ترك أيضاً إرثاً أدبياً شمل ديوان شعر في السياسة والوجدانيات، ومذكرات بعنوان «من ذكريات الماضي» وثّق فيها محطات من سيرته حتى استقراره في لبنان.

وفي عام 1921 أعاد العيسى إصدار «فلسطين»، التي تحولت لاحقاً إلى صحيفة يومية عام 1930، لتصبح من أبرز الصحف العربية في عهد الانتداب البريطاني وما بعده، حيث لعبت دوراً محورياً في توثيق الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في فلسطين حتى عام 1967، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني والدفاع عن الهوية العربية.

الإصلاح الاجتماعي

ولم تقتصر أهمية «فلسطين» على بعدها السياسي، بل امتدت إلى مجالات الإصلاح الاجتماعي والنهضة الأرثوذكسية وقضايا الفلاحين، إلى جانب تغطيتها الدقيقة للتحولات الكبرى مثل الثورة الدستورية العثمانية ووعد بلفور والحرب العالمية الأولى، لتصبح مصدراً رئيسياً لأخبار فلسطين في الصحافة العربية.

وفي خطوة لافتة، أصدر العيسى نسخة إنجليزية من الصحيفة عام 1929 بعنوان «Palestine»، بالتعاون مع روشنأختر وعزمي النشاشيبي، ونشرت مقالاً بعنوان «النسبية والدعاية» استرعى اهتمام العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين، الذي دخل لاحقاً في مراسلات مع الجريدة، في دلالة على حضورها الفكري والإعلامي الواسع.

وخلال إضراب 1936، أغلقت سلطات الانتداب الصحيفة بسبب تغطيتها الداعمة للحراك الوطني، فصدر بدلاً منها «الأخبار». وبعد نكبة 1948، انتقلت إلى القدس الشرقية، وواصلت صدورها حتى عام 1967، حين توقفت نهائياً بعد دمجها مع صحيفة «المنار».

أخبار ذات صلة

0 تعليق