نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إيران تشتري الوقت... وواشنطن تمنحها الثمن, اليوم الخميس 4 يونيو 2026 01:35 صباحاً
التعامل مع النظام الإيراني من دون إنجاز المهمة كاملة ليس سياسة واقعية، بل تأجيل للأزمة ومنح فرصة إضافية للحرس الثوري لإعادة التموضع. المشكلة في المقاربة التي تتبعها إدارة ترامب لا تكمن فقط في أنها تبحث عن مخرج سريع من الحرب، بل في أنها قد تقبل بوقف ناقص للصراع يترك جوهر التهديد قائما: برنامج نووي لم يحسم، وحرس ثوري لم يكسر، ومضيق استراتيجي يمكن استخدامه مرة أخرى كورقة ابتزاز، وشبكة إقليمية قادرة على إشعال أكثر من جبهة عند الحاجة.
إيران لا تفاوض كما تفاوض الدول الطبيعية. هي تفاوض بمنطق النظام الثوري الذي يرى في الوقت جزءا من أدوات الحرب. كل يوم إضافي من دون حسم يمنح طهران فرصة لترميم قدراتها، وإعادة توزيع قواتها، وامتصاص الصدمة، وتحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي. ولذلك فإن أي اتفاق لا ينهي قدرة الحرس الثوري على تهديد المنطقة، ولا يضع قيودا حقيقية على البرنامج النووي والصاروخي، ولا يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، لن يكون اتفاقا بل استراحة عملياتية لإيران.
الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن النظام الإيراني يمكن احتواؤه عبر تسوية مؤقتة. هذه الفكرة جربت أكثر من مرة، وكانت النتيجة دائما واحدة: إيران تستخدم الاتفاقات لتخفيف الضغط، ثم تعود إلى السلوك نفسه بأدوات أكثر تطورا. فهي لا ترى التنازلات الغربية كبادرة حسن نية، بل كدليل على ضعف الإرادة.
وعندما يشعر الحرس الثوري بأن واشنطن تبحث عن مخرج أكثر من بحثها عن نصر، فإنه لا يتراجع؛ بل يرفع سقف مطالبه وينتظر تغير الظروف السياسية داخل الولايات المتحدة.
إدارة ترامب تواجه معضلة واضحة. من جهة، لا تريد حربا طويلة تستنزف الداخل الأمريكي وترفع أسعار الطاقة وتمنح خصومها السياسيين فرصة للهجوم عليها. ومن جهة أخرى، لا تستطيع أن تدعي النجاح إذا انتهت الأزمة من دون تغيير حقيقي في سلوك إيران. وبين هذين الخيارين يظهر إغراء الحل الوسط: تهدئة مؤقتة، تعهدات عامة، وربما فتح جزئي للمضيق مقابل تخفيف الضغط أو تأجيل المواجهة. لكن هذا النوع من الحلول هو بالضبط ما تريده طهران.
الحرس الثوري لا يحتاج إلى انتصار كامل كي يربح. يكفيه أن ينجو. بقاؤه متماسكا يعني أن النظام احتفظ بأداته الأساسية في الداخل والخارج. فهو ليس مجرد قوة عسكرية، بل جهاز أمني واقتصادي وعقائدي وإقليمي. من خلاله تدار الميليشيات، وتحمى بنية النظام، وتستخدم الأزمات الخارجية لإعادة تعبئة الداخل. لذلك فإن ضرب منشآت أو تدمير بعض القدرات لا يكفي إذا بقيت البنية القيادية والعملياتية للحرس قادرة على العمل.
المشكلة في التعامل الناقص مع إيران أنه يرسل ثلاث رسائل خطيرة. الرسالة الأولى إلى طهران: يمكنكم الصمود حتى تتعب واشنطن. الرسالة الثانية إلى الحلفاء: الولايات المتحدة قد تبدأ المواجهة لكنها لا تضمن نهايتها. والرسالة الثالثة إلى الخصوم الآخرين: رفع الكلفة على أمريكا قد يكون كافيا لدفعها إلى التراجع. هذه الرسائل أخطر من نتائج المعركة نفسها؛ لأنها تمس مفهوم الردع الأمريكي في الشرق الأوسط وخارجه.
إيران بنت استراتيجيتها على فكرة أن الغرب يخشى الحرب الطويلة أكثر مما تخشاها هي. النظام يستطيع قمع الداخل، وتوزيع الكلفة على المجتمع، واستخدام الشعارات الوطنية والدينية لتبرير المعاناة. أما الديمقراطيات الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة، فتواجه ضغط الإعلام، والأسواق، والانتخابات، وأسعار الوقود، ومزاج الرأي العام. ولذلك تراهن طهران على الزمن لا على القوة وحدها. هي تعرف أنها لا تستطيع هزيمة أمريكا عسكريا، لكنها تعتقد أنها تستطيع إرباكها سياسيا.
هنا تظهر خطورة أي مقاربة أمريكية لا تحدد بوضوح معنى «إنجاز المهمة». هل الهدف هو وقف إطلاق نار؟ أم إعادة فتح المضيق؟ أم تفكيك قدرة إيران على الابتزاز؟ أم منعها فعليا من الوصول إلى سلاح نووي؟ من دون تعريف دقيق للهدف، تتحول الحرب إلى إدارة أزمة، وتتحول الدبلوماسية إلى غطاء للتراجع. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تعلن واشنطن نجاحا إعلاميا بينما يعرف الإيرانيون والحلفاء والأسواق أن جوهر التهديد لم يتغير.
لا يعني ذلك أن الخيار الوحيد هو غزو بري أو حرب مفتوحة بلا نهاية. هذا ليس مطلوبا ولا واقعيا. لكن المطلوب هو ألا تتحول الرغبة في تجنب الحرب الطويلة إلى قبول بنتيجة ضعيفة. يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم مزيجا من الضغط العسكري المحدد، والعقوبات الخانقة، والعزلة البحرية، والضغط الدبلوماسي على شركاء إيران، والعمل الاستخباراتي، والحرب السيبرانية، ودعم الردع الإقليمي. لكن كل ذلك يجب أن يخدم هدفا واحدا: حرمان النظام الإيراني من القدرة على تحويل أي تسوية إلى فرصة لإعادة التسليح والتمدد.
كما يجب ألا يفصل الملف النووي عن سلوك إيران الإقليمي. هذه كانت إحدى أخطاء المقاربات السابقة. إيران لا تفصل بين النووي والصواريخ والميليشيات والممرات البحرية. كلها أجزاء من منظومة ضغط واحدة. فإذا جرى التعامل مع النووي وحده، بقيت الصواريخ، وإذا جرى تجاهل الميليشيات، بقيت أداة الرد غير المباشر، وإذا فتح المضيق من دون ضمانات صارمة، سيغلق مرة أخرى عند أول أزمة. لذلك فإن أي اتفاق جزئي سيخلق أزمة جديدة، لا سلاما جديدا.
ترامب بنى جزءا مهما من صورته السياسية على أنه لا يخوض حروبا عبثية. لكن تجنب الحرب العبثية لا يعني قبول تسوية عبثية. الفارق كبير بين الانضباط الاستراتيجي والتردد. الانضباط يعني أن تعرف متى تضرب، وماذا تريد، ومتى تتوقف. أما التردد فيعني أن تبدأ الضغط ثم تتراجع قبل أن تتغير حسابات العدو. إيران تفهم هذا الفارق جيدا، وتختبره باستمرار.
الخلاصة أن التعامل مع النظام الإيراني من دون إنجاز المهمة هو خطأ استراتيجي. ليس لأن الحرب مطلوبة لذاتها، بل لأن السلام الناقص مع إيران غالبا ما يكون مقدمة لحرب أكبر. الحرس الثوري يشتري الوقت، والنظام يراهن على تعب واشنطن، وأي تراجع أمريكي الآن سيقرأ في طهران كدليل على أن سياسة الابتزاز نجحت. إذا أرادت إدارة ترامب إنهاء الأزمة، فعليها أن تنهي قدرة إيران على تكرارها، لا أن تمنحها مهلة جديدة تحت اسم التهدئة.
mr_alshammeri@


















0 تعليق