بالتزامن مع نتائج خطة البعثات الخارجية، يترقب 2704 طلاب وطالبات قوائم الجامعات والتخصصات التي ستحدد مسار حياتهم خلال السنوات الأربع أو الخمس المقبلة. وفيما شهد معرض جامعة الكويت للقبول إقبالاً واسعاً من الطلبة وأولياء الأمور الباحثين عن إجابة لأسئلة مثارة ومحددة ترسم مستقبلهم التعليمي، وفي مقدمتها: أي تخصص يضمن المستقبل؟ وماذا سأدرس؟ وهل سيكون هذا التخصص مطلوباً عندما أتخرج؟ يتبادر إلى الذهن «الذكاء الاصطناعي» الذي أصبح يعيد تشكيل الوظائف بوتيرة غير مسبوقة، إذ لم تعد قضية الابتعاث مجرد توزيع مقاعد جامعية، بل أصبحت قراراً استراتيجياً يتعلق بشكل الاقتصاد الوطني بعد 5 أو 10 سنوات.
لا يمكن قراءة خطة الابتعاث الجديدة بمعزل عن التحولات التي يشهدها العالم، فالخطة التي أعلنتها وزارة التعليم العالي هذا العام لا تشبه كثيرا خطط الابتعاث التقليدية قبل عقد من الزمن، حيث أدرجت الوزارة عدداً من تخصصات الاقتصاد الرقمي، مثل: «الذكاء الاصطناعي، علوم البيانات، الأمن السيبراني، هندسة الأمن السيبراني، علوم الحاسوب، ريادة الأعمال، إدارة سلاسل التوريد، العلوم الاكتوارية»، إلى جانب استمرار الاستثمار في الطب والهندسة والتخصصات الصحية المساندة، مع رفع شروط القبول في عدد من البرامج، خاصة في المملكة المتحدة وأيرلندا.
وتشير خطة وزارة التعليم العالي للابتعاث إلى إعطاء أولوية للتخصصات المستقبلية والحيوية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات الحديثة، بما ينسجم مع احتياجات المرحلة المقبلة، فهذه المؤشرات تعني أن الوزارة تدرك بوضوح أن سوق العمل يتغير، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالا أكثر أهمية، فليس السؤال: ما هي التخصصات؟ بل من يحددها؟!
في جميع وثائق خطة الابتعاث تؤكد الوزارة أن التخصصات المطروحة تتوافق مع احتياجات الدولة وخطة التنمية وسوق العمل، لكن الوثائق المنشورة لا تجيب بصورة تفصيلية عن الأسئلة التالية: «ما الجهة التي تتنبأ باحتياجات سوق العمل بعد خمس سنوات؟ وهل توجد نماذج اقتصادية أو خوارزميات للتنبؤ بالوظائف المستقبلية؟ وما دور ديوان الخدمة المدنية؟ وما دور الهيئة العامة للقوى العاملة؟ وهل يشارك القطاع الخاص في تحديد الأولويات؟ وما نسبة التخصصات التي أضيفت أو ألغيت خلال السنوات العشر الماضية؟»، هذه ليست أسئلة إدارية، بل أسئلة تتعلق بفلسفة الابتعاث نفسها، لأن تحديث قائمة التخصصات يختلف تماماً عن امتلاك منظومة وطنية قادرة على استشراف الاقتصاد القادم.
احتياجات سوق العمل
من القبول الجامعي إلى سوق العمل، المشهد نفسه يظهر في معرض جامعة الكويت للقبول الجامعي، فقد أكد القائم بأعمال عميد القبول والتسجيل د. فاضل عزيز أن الهدف من المعرض هو تمكين الطلبة من اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، واللافت أن المعرض شهد مشاركة ديوان الخدمة المدنية والهيئة العامة للقوى العاملة لتقديم معلومات عن الفرص الوظيفية المستقبلية وعلاقتها بالتخصصات الجامعية، وهي خطوة تعكس إدراكا متزايدا بأن اختيار التخصص لم يعد قرارا أكاديميا فقط، بل قرارا اقتصاديا أيضا، لكنها تثير سؤالا مشروعا: «هل يبدأ ربط الجامعة بسوق العمل بعد إعلان التخصصات... أم قبل وضعها؟!».
العالم تغيّر... والجامعة مطالبة بالتغيير
قبل ثلاثين عاما، كانت الجامعة المصدر الرئيسي للمعرفة، واليوم... المعرفة أصبحت متاحة مجاناً، والشهادات المهنية أصبحت معترفا بها، والتعلم الإلكتروني ينافس أفضل الجامعات، والذكاء الاصطناعي يقدم تعليما شخصيا لكل طالب.
وفي المقابل، بدأت شركات عالمية كبرى تعيد النظر في مفهوم «المؤهل الجامعي» نفسه، مع التركيز بصورة متزايدة على المهارات العملية والقدرة على التعلم المستمر، لذلك لم يعد السؤال: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تنجز؟!.
مهارات ستتغير قبل 2030
ويكشف تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل ستتغير بحلول عام 2030، وأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيقودان أكبر عملية إعادة تشكيل لسوق العمل منذ الثورة الصناعية.
39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل ستتغير بحلول 2030
كما يتوقع التقرير أن تتأثر 22% من الوظائف الحالية، مع خلق 170 مليون وظيفة جديدة مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة عالمياً.
وفي المقابل، تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن المستقبل لن يعتمد فقط على مهارات الذكاء الاصطناعي، بل على مزيج من التفكير التحليلي، والإبداع، والقدرة على حل المشكلات، وإدارة البيانات، والعمل متعدد التخصصات، بمعنى آخر... المستقبل لن يكافئ خريج تخصص معين فقط، بل خريجاً يستطيع تطوير نفسه باستمرار.
الخطة تطورت بإضافة الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني
غياب البيانات
بعد قراءة خطة الابتعاث، لا يبدو أن المشكلة تكمن في عدم إدراج تخصصات المستقبل، بل في غياب البيانات التي تسمح بقياس نجاح السياسة نفسها، فالوزارة أعلنت عدد المقبولين... لكن هناك معلومات يجب معرفتها حتى تتم معالجة أي مشكلة في المستقبل مثلا: «كم متقدماً لكل تخصص؟ وكم نسبة القبول في كل برنامج؟ وكم عدد المقاعد المخصصة للذكاء الاصطناعي مقارنة بالطب؟ وكم عدد خريجي الابتعاث الذين عادوا خلال السنوات الماضية؟ وكم منهم وجد وظيفة خلال سنة؟ وكم يعمل خارج تخصصه؟ وما تكلفة الطالب الواحد على الدولة مقارنة بالعائد الاقتصادي؟ فمن دون هذه البيانات، يصعب تقييم مدى نجاح سياسة الابتعاث في تحقيق أهدافها التنموية».
22% من الوظائف الحالية بالعالم ستتأثر مع خلق 170 مليون وظيفة جديدة مقابل اختفاء 92 مليوناً
قائمة التخصصات
ويتساءل المراقبون: هل يكفي تحديث قائمة التخصصات؟ ربما لا، مؤكدين أن الاقتصاد الرقمي لا يحتاج إلى تخصصات جديدة فقط، بل يحتاج إلى خريجين يجمعون بين «المعرفة الأكاديمية، المهارات الرقمية، التفكير النقدي، القدرة على التعلم المستمر، العمل عبر أكثر من تخصص».
ولهذا بدأت جامعات عالمية كثيرة في دمج الشهادات الأكاديمية مع الشهادات المهنية، وبرامج التدريب، ومشروعات ريادة الأعمال، بدلاً من الاكتفاء بالمسار التقليدي.
جامعات عالمية كثيرة بدأت دمج الشهادات الأكاديمية والمهنية وبرامج التدريب بدلاً من الاكتفاء بالمسار التقليدي
5 اتجاهات
ويرى مختصون في سياسات التعليم أن المرحلة المقبلة قد تتطلب تطوير منظومة الابتعاث في 5 اتجاهات رئيسية، تتمثل في إنشاء مرصد وطني لتوقع احتياجات سوق العمل، ومراجعة التخصصات سنوياً وفق بيانات اقتصادية حقيقية، وإشراك القطاع الخاص في تحديد الأولويات، وقياس أداء خريجي الابتعاث بعد العودة، ونشر بيانات سنوية مفتوحة عن نتائج الابتعاث والعائد منه، مشيرين إلى أن نجاح الابتعاث لا يقاس بعدد الطلبة المقبولين بل بعدد من يعودون ليقودوا الاقتصاد الوطني.
المرحلة المقبلة تتطلب تطوير منظومة الابتعاث في 5 اتجاهات رئيسية
نجاح الابتعاث
وقبل 20 عاماً، كان نجاح الابتعاث يقاس بعدد المقاعد التي توفرها الدولة، وعدد الخريجين الذين يعودون إلى الكويت، أما اليوم فقد أصبح النجاح يقاس بسؤال أكثر تعقيداً: هل يعود هؤلاء الخريجون بمهارات يحتاجها اقتصاد 2035 أم بوظائف كانت مطلوبة عندما غادروا؟
لقد قطعت وزارة التعليم العالي خطوة مهمة بتحديث قائمة التخصصات وإدخال مجالات ترتبط بالاقتصاد الرقمي، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في تحديث القائمة، بل في بناء منظومة وطنية قائمة على البيانات، وقادرة على إثبات أن قرارات الابتعاث اليوم ستظل صحيحة عندما يتخرج أصحابها بعد سنوات. فالابتعاث، في نهاية المطاف، ليس استثماراً في دراسة الطالب فقط، بل استثمار في مستقبل الدولة.
اقتراحات بإنشاء مرصد لاحتياجات سوق العمل ومراجعة التخصصات سنوياً
الذكاء الاصطناعي
ومع تسارع التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، لم يعد التحدي يقتصر على استحداث تخصصات جديدة ضمن خطط الابتعاث، بل امتد إلى قدرة الجامعات على تطوير مناهجها وأساليب التدريس والتقييم بما يواكب المتغيرات المتلاحقة.
ويجمع أكاديميون على أن مستقبل التعليم العالي لن يقاس بعدد المقررات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإنما بمدى دمجه في البيئة الجامعية وإعداد الطلبة بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، مع الحفاظ على التفكير النقدي والأسس العلمية والأخلاقيات المهنية، بما يضمن تخريج كوادر قادرة على قيادة اقتصاد المستقبل، لا مجرد مواكبة أدواته.
البقاعين لـ الجريدة.: المناهج الحالية لا تواكب تطور الذكاء الاصطناعي
أكد أن «العلوم والتكنولوجيا» تدمج تطبيقاته في الأنشطة التعليمية
أكد رئيس كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا، البروفيسور خالد البقاعين، أن المناهج الدراسية الحالية في الجامعات لم تعد قادرة على مواكبة التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، نظراً لكونها ثابتة يصعب تحديثها بالسرعة المطلوبة بسبب الأنظمة واللوائح الأكاديمية، مشدداً على أن مواكبة هذا التطور لا تتحقق بمجرد تغيير أسماء بعض المقررات أو إضافة مصطلحات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وقال البقاعين، لـ«الجريدة»، إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يصبح جزءاً من الثقافة الجامعية، من خلال إدخال مقررات حديثة تعنى بأسسه وآليات استخدامه بصورة صحيحة وأخلاقية، مع التركيز على الجوانب الأخلاقية لضمان توظيفه في بناء حلول وأنظمة تخدم المجتمع.
رئيس كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا، البروفيسور خالد البقاعين
وأضاف أن كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا تعمل على عدة مسارات لتحقيق هذا التوجه، تشمل تطوير المناهج الدراسية، وإدخال مقررات متخصصة، إلى جانب طرح تخصص في الذكاء الاصطناعي ضمن برنامجي علوم الحاسوب وهندسة الحاسوب، فضلاً عن دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف الأنشطة التعليمية داخل القاعات الدراسية وخارجها.
وكشف أن الكلية تنفذ مشروعات بالتعاون مع جهات حكومية وخاصة لتطوير حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي، معلناً نجاحها، بالتعاون مع القطاع الخاص، في تطوير نظام للذكاء الاصطناعي متعدد الخبراء (Multi-Agent AI System)، ووصفه بأنه الأول من نوعه عالمياً، مشيراً إلى إعداد كتاب علمي حول النظام تمهيداً لنشره عبر دار Springer، إلى جانب التعاون مع شركتين عالميتين لتسويقه لدى كبرى الشركات.
العلي لـ الجريدة.: مواكبة التقنيات الجديدة تتطلب تحديثاً مستمراً
شدد على ضرورة الاهتمام بالتفكير الإبداعي وأخلاقيات المهنة
ذكر عضو هيئة التدريس في الهندسة الميكانيكية بكلية الهندسة والبترول بجامعة الكويت، د. عمر العلي، أن البرامج الجامعية قادرة على مواكبة تطور الذكاء الاصطناعي، لكن بشرط أن تتكيف بسرعة تتناسب مع وتيرة هذا التطور غير المسبوقة.
وقال العلي، لـ«الجريدة»، إن تغير المناهج أمر طبيعي، بل ضروري، موضحاً أن المناهج الجامعية قبل 50 عاماً تختلف جذرياً عما هي عليه اليوم، إلا أن الفرق يكمن في أن هذا التغير كان يقاس بالعقود، بينما أصبحت وتيرة التطور اليوم متسارعة إلى حد أن ما يدرس هذا العام قد يحتاج إلى مراجعة في العام الذي يليه.
د. عمر العلي
وأشار إلى أن المطلوب هو إدماج مهارات الذكاء الاصطناعي في جميع التخصصات، لا حصرها في أقسام الحاسوب، لأن هذه الأدوات ستكون جزءاً أساسياً من كل مهنة قائمة على المعرفة، بدءاً من الهندسة والطب وصولاً إلى القانون والإدارة.
وأفاد بأن التحديث لا يقتصر على المناهج الدراسية، بل يشمل أيضاً أساليب التقييم، لافتاً إلى أن الاختبارات والواجبات التقليدية لم تعد تقيس الفهم الحقيقي في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنجازها، وأكد أن الأهم من ذلك كله أن تركز الجامعات على ما يميز الإنسان، والمتمثل في التفكير النقدي والإبداعي، وأخلاقيات المهنة، والتواصل الإنساني.
الصيبعي لـ الجريدة.: الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للتعليم وليس بديلاً عنه
الجامعات تواجه تحدياً متسارعاً في مواكبة تطوراته
قال الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة الكويت د. علي الصيبعي إن الجامعات اليوم تواجه تحدياً متسارعاً في مواكبة التطورات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي، مبيناً أن الهدف لا يتمثل في استبدال أساليب التعليم التقليدية، وإنما في توظيف هذه التقنيات بما يعزز العملية التعليمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بناء الأسس العلمية الراسخة للطلبة.
وأوضح الصيبعي، لـ«الجريدة»، أن من أبرز التحديات الحالية اعتماد بعض الطلبة على أدوات الذكاء الاصطناعي في إنجاز الواجبات والمشاريع الدراسية، الأمر الذي يتطلب وضع ضوابط وإرشادات واضحة تنظم استخدام هذه الأدوات بدلاً من منعها بشكل كامل، لافتاً إلى أن التعامل معها يجب أن يكون بطريقة منهجية تحقق الاستفادة منها دون الإخلال بمخرجات التعلم.
علي الصيبعي
وأشار إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج سيكون تدريجياً، من خلال الاستفادة منه في بعض المقررات أو التطبيقات التعليمية، لكنه لا يتوقع أن يحدث تغييراً جذرياً في الخطط الدراسية، خصوصاً في التخصصات التي تعتمد على الفهم العميق للمفاهيم العلمية والهندسية.
وشدد على أن مهمة الجامعة تتمثل في تأهيل الطالب لفهم الأسس العلمية التي تمكنه من التعامل مع أي برامج أو تقنيات مستقبلية، وليس تدريبه على استخدام برامج قد تتغير أو تُستبدل مع مرور الوقت، مشدداً على أن الذكاء الاصطناعي سيبقى أداة مساندة للتعليم، وليس بديلاً عن المعرفة الأكاديمية أو الفهم العلمي.

















0 تعليق