لم تعد الحروب كلها تُخاض على الأرض. فثمة حربٌ صامتة تدور كل ثانية داخل مستطيلٍ صغير نحمله في جيوبنا. فلا نسمع فيها هدير المدافع ولا نرى دخان المعارك لكن غنائمها أثمن من الأرض. إنها أعمارنا وانتباهنا وميولنا وذاكرتنا والطريقة التي نرى بها العالم فذلك هو صراع منصات التواصل.
فالمنصات لا تتنافس اليوم على عدد المستخدمين فقط بل تتنازع على المساحة الأندر في الإنسان وهي لفتُ انتباهه. فكل منصة تريد دقائق أكثر من يومك ونقرةً إضافية من إصبعك وانفعالًا أطول في داخلك وعودةً أسرع بعد مغادرتك إنها حرب الاستحواذ على العين.
ولهذا لم تعد الشاشة نافذةً نطل منها على العالم بل أصبح العالم نفسه يعاد ترتيبه كي يلائم الشاشة. فالخوارزمية تعرف أن الإنسان لا يبقى طويلًا أمام الهدوء فتدفع إليه ما يثيره وما يغضبه وما يدهشه وما يستفز فضوله حتى يتحول الانفعال إلى وقودٍ للاستهلاك.
ومن هنا تغيرت طبيعة المحتوى فلم يعد السؤال دائمًا ماذا يستحق أن يُقال بل ماذا يستطيع أن يوقف الإصبع عن التمرير. وهنا تبدأ المعضلة الثقافية حين تصبح القيمة رهينةً للانتشار ويصبح العمق عبئًا على السرعة ويُختصر الفكر كي يناسب الشاشة وتُجزأ المعرفة إلى شظايا قابلة للاستهلاك ويصبح الإنسان نفسه مشروعًا دائمًا لجذب الانتباه.
وفي هذا الصراع لا تنتصر المنصة التي تمنحك أكثر بل التي تنجح في إبقائك أطول ولهذا تتشابه المنصات شيئًا فشيئًا فتستعير إحداها خصائص الأخرى وتلاحق كل واحدة ما نجح لدى منافستها حتى تبدو الأسماء مختلفة بينما المعركة واحدة بمن يمتلك وقت الإنسان.
لكن الأخطر أن الصراع لم يعد بين المنصات وحدها فلقد انتقل إلينا حتي صرنا نحن أيضًا نتنافس على الظهور وعلى الأرقام وعلى التفاعل وعلى مساحةٍ أكبر في ذاكرة جمهورٍ ينسى بسرعة. فأصبح بعضنا يقيس قيمة فكرته بعدد الإعجابات وقيمة صورته بعدد المشاهدات وقيمة حضوره بحجم الصدى الرقمي الذي يتركه.
وهكذا تحولت المنصة من أداةٍ للتواصل إلى مرآةٍ قد يعيد الإنسان أمامها تشكيل نفسه كي تعجبه صورته في عيون الآخرين. والمشكلة ليست في التقنية بل المشكلة في ان ندخل هذه الحرب بلا وعي. وبأن نمنح الخوارزمية حق اختيار ما نقرأ وما نشاهد وما يغضبنا وما يشغل حديثنا ثم نظن بعد ذلك أننا اخترنا كل شيء بأنفسنا.
فالحرية الرقمية لا تعني أن تستطيع فتح أي منصة بل أن تستطيع إغلاقها دون أن تشعر أنك فقدت جزءًا من العالم. فنحن أمام سوقٍ كبير تتاجر بأندر ثروات الإنسان من خلال سرق انتباهه ومن يبدد انتباهه يبدد شيئًا من عمره.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم أي منصة ستنتصر في هذا الصراع بل أي إنسان سيبقى بعده.
وهل سنظل نحن من يستخدم المنصات أم سنصبح نحن المادة التي تستخدمها المنصات.
الكاتب / طارق محمود نواب
السبت 15 اغسطس 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )


















0 تعليق