نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محمد نقيب العطاس... الفيلسوف الذي أعاد ترتيب معنى المعرفة, اليوم السبت 4 أبريل 2026 09:27 مساءً
رحل في التاسع عشر من رمضان الماضي، عن عمر ناهز سبعة وتسعين عاما، الفيلسوف والمفكر الإسلامي الماليزي، السيد محمد نقيب بن علي العطاس، حفيد الإمام عبدالله بن محسن العطاس، رحمهم الله جميعا، بعد مسيرة علمية طويلة ترك خلالها أثرا عميقا في الفكر الإسلامي المعاصر، ولا سيما في ميدان المعرفة والتعليم وفلسفة الحضارة.
لم يكن السيد العطاس مفكرا يكتفي بترديد الحديث عن أسباب التخلف أو يعلق أوجاع الأمة على السياسة والاقتصاد؛ ففي نظره لم تكن المشكلة الأساسية قلة العلوم ولا ضعف الجامعات، بل هو دخول كثير من المعارف الحديثة إلى مجتمعاتنا وهي محمولة برؤية فلسفية نشأت في سياق العلمنة الغربية، ثم تسربت بوعي وبغيره إلى المناهج التعليمية والثقافة المعاصرة، ولذلك كان يرى أن التحدي الأكبر في عصرنا ليس سياسيا ولا اقتصاديا، بقدر ما هو تحد معرفي يتعلق بالطريقة التي يفهم بها الإنسان الحقيقة والعالم.
من هذه المنطلقات كلها، طرح السيد العطاس مشروعه الفكري المعروف بـ«أسلمة المعرفة». وقد أسيء فهم هذا المصطلح كثيرا؛ إذ ظن بعضهم أنه دعوة إلى رفض العلوم الحديثة أو الانغلاق الحضاري، بينما قصد به معنى أدق وأعمق، وهو تحرير المعرفة من الافتراضات الفلسفية التي نشأت في السياق الغربي العلماني، وإعادة وصلها بالرؤية الإسلامية للوجود، القائمة على التوحيد؛ فالعلم، في تصوره، ليس مجرد تراكم معلومات، ولا تقدما تقنيا، بل معرفة تعين الإنسان على وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، ومن هنا جاءت فكرته المركزية التي كثيرا ما تتكرر في كتاباته، وهي أن أصل الأزمة الحضارية المعاصرة يعود إلى ما سماه «فقدان الأدب»، والأدب عنده لا يعني مجرد حسن السلوك أو الأخلاق الاجتماعية بالمعنى الشائع، بل يعني معرفة مراتب الأشياء؛ أي معرفة مكان الإنسان في الكون، ومكان العلم، ومكان القيم، والعلاقة بين الخالق والعالم؛ فإذا اختلت هذه المراتب اختلط الحق بالباطل، وتحولت المعرفة، بدل أن تكون وسيلة هداية، إلى مصدر اضطراب، وفي كتابه المعروف The Concept of Education in Islam، ومعهده الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (ISTAC)، ما يشبع شغف المهتم بعلمه.
أختم بأن المسيرة العلمية للسيد محمد نقيب العطاس ذات ملامح لافتة، فقد التحق في شبابه بالكلية العسكرية الملكية في بريطانيا، ثم انتقل لاحقا إلى الدراسات الفلسفية، فنال درجة الماجستير من جامعة ماكجيل في كندا، ثم الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة لندن، قبل أن يعود إلى ماليزيا ليعمل أستاذا جامعيا ويسهم في تطوير التعليم في بلاده، ولم يكن حضوره بعيدا عن المشهد العلمي في المملكة؛ فقد احتفى مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بأثره وتراثه العلمي، في محاضرة خاصة عنوانها «الأستاذ سيد محمد نقيب العطاس وإرثه العلمي المميز»، في جمادى الأولى الماضي.. رحم الله السيد محمد نقيب العطاس الذي لم ييأس من تذكير جيله ومن بعده بأن الأمم لا تنهض بالسياسة والاقتصاد وحدهما، بل بإصلاح المعرفة التي تشكل العقل الذي يديرهما، وأن المطلوب ليس أن نعرف أكثر فحسب، بل أن نعرف على وجه أصح، وأن الخلل لا يبدأ دائما من الجهل، بل قد يبدأ من معرفة فقدت ميزانها، ومن علم اتسع في اليد، وضاق في البصيرة، وأن الأمم لا تحتاج إلى مزيد من المعلومات بقدر حاجتها إلى ميزان يحسن ترتيبها؛ لأن المعرفة إذا فقدت بوصلتها لم تعد طريقا إلى النهوض، بل طريقا إلى مزيد من التيه.

















0 تعليق