سياسة الإذاعة البرتقالية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سياسة الإذاعة البرتقالية, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 06:42 صباحاً


في السنوات الأخيرة، برز نمط سياسي جديد يمكن وصفه بـ«الطريقة البرتقالية»، في إشارة إلى أسلوب تناول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسياسة والإعلام.

أسلوب مستحدث لا ينتمي إلى أي من مدارس الدبلوماسية الكلاسيكية، ولا يلتزم بثبات القرار أو منطق تعزيز المواقف، بل يقوم على التدفق المستمر للمعلومات والقرارات والتصريحات، وعلى صناعة الحدث في لحظته.
يجري ذلك عبر منصة Truth Social، وهي قناة التواصل التي يمتلكها الرئيس ترامب، ويبث منها رؤاه وانفعالاته وخواطره وقراراته على العالم، ودون وسيط.

فلا أخبار تنتظر، ولا بيانات تمهل للمراجعة، بل تتدفق عبر إذاعة شخصية مفتوحة على مدار الساعة، تعيد تشكيل الواقع العالمي لحظة بلحظة.

وقد بلغت هذه الحالة الفريدة ذروتها خلال الحرب بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، لنشهد حربا لا تنحصر في الميدان، بل تمتد لتباري الزمن بالتراشق والقصف وتدفق التوقعات وسط حرب تصريحات متلاحقة.

على مدى أسابيع طويلة من الحرب، لم تستقر الرؤية لساعة واحدة؛ فكانت التصريحات الترامبية تنهال متبدلة كل بضع دقائق، بالقرارات والتصعيد والتهدئة، والتهديد، والتسامح، والتضخيم، وتصوير الميدان بغير ما يحوي.

فوضى إعلامية سياسية اقتصادية، أدخلت المراقبين والمحللين في غمام حالك، تختلط فيه الحقائق بالتكهنات، وتتشابك الرسائل مع ما يناقضها من خطاب تفترض فيه العقلانية.

في جانب ما، يمكن تفسير هذه الفوضى كحرب نفسية، وأداة تكتيكية مربكة، تحرم العدو من القدرة على التنبؤ، والمبادرة، وبناء الاستراتيجيات الفكرية المستقرة، فيعيش حالة من الخوف والترقب، وكأن الفوضى تفرض عليه المزيد من الضغوط.

ولكن الوجه الآخر للفوضى يجعلها أكثر كلفة وتعقيدا على الطرفين، ويولد عند الأتباع ما يشبه الغليان الصامت، وحالة من الإرهاق الذهني والتشتت، وفقدان الثقة بوجود أرضية صلبة يستند إليها لفهم ما يجري وتحديد الموقف منه.

الحلفاء بدورهم يربكهم تقلب المواقف، حين يمدحون الساعة بوصفهم شركاء استثنائيين، ثم يلامون وينتقص من مواقفهم بعد دقائق قليلة.

تقلب يضعف الثقة المتبادلة بينهم، ويجعل شراكاتهم عرضة للتآكل السريع، برسم البيان الأخير.

ولو أسقطنا هذا النموذج افتراضا، على قادة تاريخيين مثل هارون الرشيد، أو هولاكو التتري، بامتلاكهم منصات بث فورية مشابهة يخاطبون فيها الأعداء والأصدقاء في الوقت ذاته، فلربما عاشت تلك الإمبراطوريات حالات شتات وصدمات وتحولات مهلكة، تحت ضغط متزامن من إرباك المعلومة والتوتر.

فالإفراط في الإعلان عن النوايا، وكشف تقلبات ما يدور في ذهن القائد، لا يعزز الهيبة بقدر ما يكشف مواطن الضعف، ويجعل القائد أسيرا للحظته لا صانعا لاستقرار مسارها.

الهلامية السياسية تحول قوة الدولة إلى كيان يتخيل يتفاعل ينجرف وربما يزايد ويفقد قيمته.

والسياسة، في جوهرها، بناء تراكمي من التخطيط المتين والسرية والرؤية، لا تحتاج إلى مهرجان من المفاجآت الآنية.

وحين يصبح القرار عرضا متقلبا، وتتحول العلاقات إلى موجات مديح وذم متعارضة، تفقد القوة معناها الاستراتيجي، وتتحول إلى ضجيج يرهق الداخل ويقلق الخارج.

سياسة برتقالية قد تنجح في تشتيت الخصوم وإرباكهم، لكنها في الوقت ذاته قد تخلق اللجج والخراب العالمي، بقلق دائم يفرض حالة من عدم اليقين، يعجز النظام الدولي عن التعامل مع أسلوبها الصاخب، المنكشف، والفاقد للسيطرة.

shaheralnahari@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق