نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا
لا تطلب البيض
من جارك
في المدينة؟, اليوم السبت 9 مايو 2026 10:42 مساءً
قبل عقود مضت كانت المدن التقليدية صغيرة الحجم وتميل إلى التجانس الاجتماعي وهي أقرب إلى سمات الحياة الريفية منها إلى الحياة الحضرية، حيث السكان يعيشون في بيئات اجتماعية متقاربة بما في ذلك العادات، والتقاليد، والقيم وأنماط الحياة. معظم السكان يعملون في مهنة واحدة أو نشاط متشابه، مما يخلق نوعا من التجانس الاجتماعي. وحتى يومنا هذا بعض القرى أو التجمعات العمرانية الصغيرة تتكون من قبيلة واحدة أو كيان اجتماعي مترابط. وهكذا فالعلاقات بين الجيران قائمة على التعاون والتكافل الاجتماعي وليس على الفردية أو التنافسية.
في الماضي، كانت ربات البيوت تعد الطعام وعندما يقترب موعد الغداء تكتشف أن لديها نقصا في مكونات الوجبة الأساسية فترسل أحد أبنائها الصغار إلى بيت جارهم ليطلب 3 حبات بيض وحبتين بصل وحبة واحدة فلفل أخضر بارد. لا تتردد الجارة بإعطائها المكونات؛ بل تضيف على القائمة القليل من البهارات ومعجون الطماطم لإكمال نكهة الطعام. بعد تناول الوجبة يذهب الابن إلى بيت جاره ليلعب مع صديقه ويتناول معهم وجبة العشاء وكأنه فرد من أفراد العائلة. أحيانا تصل درجات التجانس الاجتماعي إلى مستويات عالية ليكون الحي السكني بأكمله وكأنه عائلة واحدة. الجيران يعرف بعضهم بعضا ويتبادلون الدعم والمساندة في حياتهم اليومية. في الحقيقة، لم تكن تلك المظاهر الاجتماعية مجرد عادات اجتماعية بل كانت رأس مال اجتماعيا عنوانه التكافل والتعاون. الحي السكني في ذلك الوقت كان مجالا واسعا يتشارك فيه الجميع.
اليوم، وفي مدينة كبرى الكثير ربما لا يعرف اسم جاره الملاصق له، أما مجرد التفكير بطلب 3 حبات بيض منه فهذا ضرب من الخيال. لقد أشرت سابقا إلى أن المجتمع الحضري اليوم اختلف عما كان، نظرا لطبيعة التحولات الاقتصادية في المدن. إن المدينة تميل إلى التنوع وتسارع الحياة والتعقيد الاجتماعي، وهو مظهر من مظاهر الابتكار والتنافسية نتيجة لتنوع الأنشطة الاقتصادية والخدمات والوظائف. والحق، فإن التعقيد الاجتماعي في المدن هو أمر لا مناص منه في سياق تحقيق التنمية؛ بل هو نتيجة طبيعية لتطور المجتمع وتعدد الأنشطة الاقتصادية. مجتمع المدينة أقل تجانسا ولكنه أكثر قدرة على التنمية والمنافسة والتطور. ولكن التحدي القائم يتمثل في تحقيق التوازن بين المظاهر والقيم الاجتماعية الإيجابية والازدهار الاقتصادي. إن الحفاظ على التراث العمراني في المدن لا يعني صيانة المباني التراثية أو تسليع التراث المادي لتتحول المدينة إلى متحف أثري؛ بل استيعاب التراث المادي وغير المادي في فضاء المدينة. هذا الحفاظ لا يعني الحنين إلى مظاهر الحياة الريفية أو المجتمع البسيط؛ بل العمل على إعادة تأصيل الهوية غير المادية وتحفيز المظاهر الاجتماعية والقيم الثقافية الإيجابية لتكون شكلا من أشكال التفرد في عصر تسود فيه ثقافة العولمة.
نعم، يمكن الجمع بين مدينة عالمية، مزدهرة، قادرة على المنافسة الاقتصادية وفي الوقت ذاته متماسكة اجتماعيا، فما أتحدث عنه أعمق من مجرد فكرة استعارة حبات بيض. التخطيط العمراني قادر على إعادة ثقافة المدينة المتكافلة من خلال إدماج قيم التضامن الاجتماعي، وتحويل التراث غير المادي إلى ممارسات حياتية، وخلق أماكن حيوية تستجيب للمشاركة بما في ذلك تعزيز المشاركة الاجتماعية، وتفعيل الجمعيات التعاونية، والمساحات المشتركة، وخلق الفراغات التي تعزز التقاء السكان وبناء الثقة والتعارف. باختصار، علينا أولا التفكير بإعادة هوية مدننا قبل أن يجرفها قطار العولمة السريع.













0 تعليق