الأزمات والانعتاق من فخ الوجود الزائف

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأزمات والانعتاق من فخ الوجود الزائف, اليوم السبت 25 أبريل 2026 05:32 مساءً

شدد علماء الاجتماع منذ الخمسينيات من القرن الماضي على أهمية "تأطير الهوية" كمنطلق للتعامل مع الآخرين؛ حيث إن جزءا كبيرا من وعي الفرد أو المجتمع بذاته إنما يبنى في حدود مرجعيته الدينية أو الفكرية أو الوطنية. تلك الحدود وذلك الوعي يمنحاننا بوصلة ترشدنا إلى تخوم هويتنا: من نحن؟ وما موقعنا في هذا العالم؟

ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التموضع الأعمى في إطار جماعة أو حزب أو حلف، إنما الغاية هي إبراز هويتنا والدفاع عنها وعن مصالحنا، بالتعاون مع من يكون عونا لا عدوا ولا نصيرا لعدو، ورصيدا لنا لا علينا. وهو ما ذهب إليه علماء منهم الفيلسوف والسياسي الفرنسي ألكسيس دي توكفيل الذي قال: الذكي هو من يدرك أن الحفاظ على هويته ومصالحه لا يتم بالانعزال، بل بالتعاون مع الآخرين، بشرط أن يخدم هذا التعاون حريته ومصلحته الخاصة، لا أن يمحو شخصيته أو يجعله أداة في يد مجموعات كبرى، فيما أكد علماء مثل جورج هربرت وإرفينغ غوفمان أن الهوية تتشكل وتقوى من خلال التفاعل الإيجابي.

وصف غوفمان الحياة بأنها مسرح اجتماعي، ونحن وغيرنا ممثلون نؤدي أدوارا تتسق وتختلف بناء على هوية كل فريق. وهنا يأتي دور تأطير الهوية؛ فمن يفشل في تأطير هويته قبل الدخول إلى المسرح، إنما يجعل من نفسه مؤديا لأدوار مفروضة من الآخرين، تخدم مصالحهم لا مصلحته! هذا المنزلق الوجودي حذر منه الكثير من الكتاب والفلاسفة الذين عبروا عن دور "الأصالة"، والتي تستلزم اتساق أفعالنا مع قيمنا ومن يمثلها؛ حتى لا نقع في مستنقع "الوجود الزائف"، الذي لا تنكشف حدوده ومدى أضراره إلا وقت الأزمات.

ولا سبيل للانعتاق من الوجود الزائف إلا بما أسماه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر بـ"القلق الوجودي"؛ وهي الحالة التي تمر بها الدول أو الأفراد عند حدوث الأزمات المصيرية، فيجدون أنهم يقفون دون سند أو وجهة صحيحة. وهنا تبدأ مرحلة "امتلاك القرار" وضرورة الاعتراف بالخصوصية الزمانية والمكانية.

وقد سبق الإمام الشافعي هايدغر بقرون حين أشار إلى أن الأزمات هي المحك والفيصل بين الزيف والحقيقة، في قوله:

جزى الله الشدائد كل خير

وإن كانت تغصصني بريقي

وما شكري لها حمدا ولكن

عرفت بها عدوي من صديقي

نعم، وبكل أسف، أوقات الرخاء خادعة، تمضي بنا دون وعي إلى مصير مجهول ما لم نمتلك زمام اليقظة. فكم عشنا وتوهمنا قوة علاقاتنا وتحالفاتنا (أفرادا أو دولا)، حتى أفقنا على قرع الطبول؟! فطبيعة البشر أنهم في الرخاء ميالون إلى تعظيم الأشياء: الاستهلاك، الترفيه، المظاهر، على حساب الأفكار والقيم، وهو ما أشار إليه هايدغر بـ "الاستغراق في اليومي"، حيث يذوب الفرد في الحشود ويصبح الوجود الزائف هو المعيار؛ ما دام كل شيء يبدو ميسرا ومضمونا بأقل جهد.

إن الانعتاق من هذا الاستلاب يتطلب "يقظة استباقية"؛ قوامها العودة الجادة لتأطير الهوية بناء على المبادئ الثابتة لا المصالح العابرة. فالدولة أو الفرد الذي يسعى للأصالة هو من يصنع أفعاله بناء على مشروعه الخاص، ويمارس التفاعل مع العالم من موقع الشريك المتكافئ لا التابع الضعيف.

هي دعوة لتأطير هويتنا في رحاب تاريخنا العريق، وضمن حدود جغرافيتنا المديدة؛ قبل أن تفرضها علينا مرارة الشدائد، أو غدرات من لا عهد لهم ولا ذمة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق