محليات
40
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وضع أسس المشروع الرياضي وحول الدوحة إلى عاصمة الرياضة العالمية❖ الدوحة - الشرق
عندما دوّن التاريخ يوم الثاني من ديسمبر عام 2010 اسم قطر كأول دولة عربية وشرق أوسطية تفوز بحق استضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم، لم يكن ذلك الإعلان مجرد انتصار لملف طموح أو نجاح لحملة استضافة متميزة، بل كان تتويجًا لمسيرة طويلة من الرؤية والتخطيط والعمل، قادها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي آمن مبكرًا بأن الرياضة قادرة على أن تكون إحدى أهم أدوات بناء الدولة وتعزيز حضورها ومكانتها بين الأمم وحقق حلم العرب باستضافة أول مونديال في العالم العربي.
لقد ارتبطت النهضة الرياضية الحديثة في قطر برؤية سمو الأمير الوالد، الذي نظر إلى الرياضة باعتبارها مشروعًا وطنيًا متكاملًا، يتجاوز حدود المنافسة والنتائج والألقاب، ليصبح ركيزة من ركائز التنمية البشرية، وجسرًا للتواصل بين الشعوب، ووسيلة لتعريف العالم بقطر وثقافتها وقيمها وطموحاتها.
ومنذ تولي سموه مقاليد الحكم عام 1995، بدأت قطر مرحلة جديدة من البناء والتحديث والانفتاح على العالم، وكان القطاع الرياضي حاضرًا بقوة في مشروع النهضة الشاملة. فجرى الاستثمار في المنشآت والمؤسسات والكوادر البشرية، ووضعت الخطط التي تستهدف بناء قاعدة رياضية مستدامة، قادرة على صناعة الأبطال، واستضافة أكبر الأحداث، وترسيخ اسم الدوحة على خريطة الرياضة الدولية.
ولم تكن رؤية سمو الأمير الوالد محصورة في تحقيق إنجاز سريع أو استضافة بطولة عابرة، وإنما قامت على تأسيس بنية متكاملة تبقى آثارها للأجيال. وشهدت البلاد في عهده إنشاء وتطوير منشآت رياضية متقدمة، إلى جانب تأسيس مؤسسات متخصصة أصبحت لاحقًا من أبرز مكونات المنظومة الرياضية القطرية.
وجاء تأسيس أكاديمية أسباير للتفوق الرياضي ليجسد جانبًا مهمًا من هذه الرؤية، من خلال اكتشاف المواهب وصقل قدراتها وفق أحدث المناهج العلمية والتدريبية، وتوفير البيئة المناسبة لإعداد أجيال من الرياضيين القادرين على المنافسة إقليميًا ودوليًا. كما أُنشئت منطقة أسباير لتوفر بيئة رياضية عالية المستوى، وتتحول إلى صرح عالمي يجمع التدريب والطب الرياضي والبحث العلمي واستضافة البطولات في منظومة واحدة. ويعد الفوز بتنظيم كأس العالم 2022 أبرز الإنجازات الرياضية التي تحققت في عهد سمو الأمير الوالد.
وبالتوازي مع بناء المنشآت، حرصت قطر على اكتساب الخبرات التنظيمية من خلال استضافة البطولات القارية والعالمية في مختلف الألعاب، حتى أصبح اسم الدوحة مرتبطًا بحسن التنظيم وجودة المرافق وكرم الضيافة. وكانت دورة الألعاب الآسيوية «الدوحة 2006» محطة فارقة في هذه المسيرة؛ إذ قدمت قطر واحدة من أنجح نسخ الدورة، وأثبتت قدرتها على إدارة حدث رياضي ضخم بمشاركة آلاف الرياضيين من مختلف دول القارة.
ولم تكن «آسياد الدوحة» مجرد بطولة ناجحة، وإنما كانت اختبارًا عمليًا لقدرة قطر على تنظيم الأحداث الكبرى، ونقطة تحول في تاريخ الحركة الرياضية القطرية والآسيوية، بما قدمته من مستويات فنية وتنظيمية عالمية. كما شهدت الدورة إنجازات قطرية بارزة.
ومن هذه المحطة، واصلت الدوحة توسيع حضورها الدولي، فاستضافت بطولات كبرى في كرة القدم وألعاب القوى وكرة اليد والسباحة والتنس والجولف والفروسية والدراجات النارية وغيرها من الرياضات، لتصبح العاصمة القطرية موعدًا ثابتًا على أجندة الاتحادات الدولية، ووجهة مفضلة للرياضيين والجماهير من مختلف أنحاء العالم.
وكان سمو الأمير الوالد يدرك أن وصول قطر إلى المكانة التي تستحقها يتطلب التفكير في أكبر الأحداث الرياضية وأكثرها تأثيرًا، لذلك جاء التطلع إلى استضافة كأس العالم باعتباره امتدادًا طبيعيًا للمشروع الرياضي الوطني.
وتقدمت قطر بملف حمل رؤية غير تقليدية، تقوم على منح المنطقة العربية والشرق الأوسط فرصة استضافة المونديال للمرة الأولى، وتقديم بطولة متقاربة المسافات تسمح للجماهير بحضور أكثر من مباراة في اليوم الواحد، إلى جانب توفير منشآت حديثة وتجربة ثقافية وإنسانية مختلفة.
وفي الثاني من ديسمبر 2010، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم من مدينة زيورخ فوز قطر بحق تنظيم كأس العالم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف أهم بطولة كروية في العالم. وكان ذلك اليوم لحظة تاريخية جسدت نجاح الرؤية التي تبناها سمو الأمير الوالد، وأكدت أن طموح قطر لم يكن يعرف المستحيل.
وقد أصبح المشهد التاريخي لسمو الأمير الوالد وهو يرفع مجسم كأس العالم عقب إعلان الفوز رمزًا خالدًا في ذاكرة القطريين والعرب، وتعبيرًا عن حلم أمة بأكملها وجدت في قطر من يحمل طموحها ويحقق أمنيتها في رؤية المونديال على أرض عربية.
لكن الفوز بالتنظيم لم يكن نهاية الرحلة، بل كان بداية لتحدٍ أكبر. وعلى مدى أكثر من اثني عشر عامًا، تحولت قطر إلى ورشة عمل متكاملة، جرى خلالها تشييد الاستادات وفق أعلى المعايير، وتطوير شبكات الطرق والمواصلات، وإنشاء مترو الدوحة، وتعزيز قدرات المطارات والفنادق والمرافق السياحية والخدمية.
وقد واصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى المسيرة، وقاد مرحلة الإعداد والتنفيذ، لتتكامل رؤية الأمير الوالد مع قيادة سمو الأمير، ويخرج المشروع بالصورة التي أبهرت العالم. كان الحلم قد بدأ برؤية بعيدة المدى، ثم انتقل إلى مرحلة الإنجاز، حتى جاء يوم العشرين من نوفمبر 2022، عندما أعلن سمو الأمير افتتاح البطولة في استاد البيت، مرحبًا بالعالم من قطر ومن بلاد العرب.
وخلال الفترة من 20 نوفمبر وحتى 18 ديسمبر 2022، عاش العالم واحدة من أكثر نسخ كأس العالم تميزًا، بمشاركة 32 منتخبًا خاضت 64 مباراة على ثمانية استادات. وتميز مونديال قطر بأنه أول نسخة تقام في الشرق الأوسط والعالم العربي، كما كان الأكثر تقاربًا جغرافيًا منذ النسخة الأولى للبطولة عام 1930.
وقدمت قطر بطولة استثنائية من حيث التنظيم والأمن وسهولة التنقل وجودة المنشآت والأجواء الجماهيرية، واستقبلت أكثر من 1.4 مليون زائر، بينما بلغ إجمالي الحضور في المباريات أكثر من 3.4 مليون مشجع. واختتم المونديال في استاد لوسيل يوم 18 ديسمبر، بالتزامن مع اليوم الوطني للدولة، في ليلة كروية تاريخية شهدت تتويج الأرجنتين باللقب.
ولم يكن إرث كأس العالم مقتصرًا على الملاعب أو الطرق أو المنشآت الحديثة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فقد قدمت قطر صورة مشرقة عن المنطقة العربية وثقافتها، وعرفت الجماهير القادمة من أنحاء العالم بقيم الضيافة والتسامح والتعايش، وأكدت قدرة الدول العربية على تنظيم أكبر الأحداث وفق أرقى المعايير.
إن ما تحقق لم يكن وليد لحظة، وإنما ثمرة مشروع بدأ قبل عقود، حين وضع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أسس نهضة رياضية شاملة، وآمن بأن قطر تستطيع أن تنافس وتنجح وتبهر العالم.
لقد كان سموه راعيًا للرياضة وصانعًا لحلمها الكبير، ومن رؤيته انطلقت الدوحة لتتحول من مدينة طموحة إلى عاصمة عالمية للرياضة، تتجه إليها أنظار العالم وتثق بها كبرى المؤسسات والاتحادات الدولية.
وسيظل مونديال 2022 شاهدًا خالدًا على تلك الرؤية؛ رؤية قائد آمن بالمستقبل قبل أن يراه الآخرون، وغرس بذور مشروع وطني كبير، حتى أصبحت قطر أول دولة عربية وإسلامية تحتضن كأس العالم، وكتبت باسمها وباسم العرب فصلًا لا يُنسى.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية

















0 تعليق