نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نظام "الطيبات" في ميزان العلم الزائف, اليوم السبت 23 مايو 2026 11:54 مساءً
وتمثل قضية الدكتور ضياء الدين العوضي رحمه الله ونظامه المعروف بـ"الطيبات" نموذجا حيا وموثقا لهذه الظاهرة، فهي ليست مجرد قصة طبيب ادعى ما لا يعلم فقد أصبح الآن في رحمة الله، والنقد الحالي للبرنامج وليس للراحل؛ بل قصة منظومة متكاملة من التضليل، اشترك فيها منصات إعلامية واسعة الانتشار، وغياب تام للتحقق، وضحايا حقيقيون.
يقوم النظام العلاجي "للطيبات"، على ثلاثة محاور رئيسية:
1- تقسيم الطعام إلى "طيب" و"خبيث" وفق تصنيف شخصي لا يستند إلى أدلة علمية معتمدة.
2- الدعوة إلى التخلي عن الأدوية الحيوية ولا سيما الكورتيزون ومثبطات المناعة والإنسولين لمن يستطيع، مستعيضا عنها بالصيام والنظام الغذائي.
3- الإيمان بقدرة الجسد على الشفاء الذاتي كمبدأ علاجي مطلق مما يجعل الطب التقليدي عائقا لا معينا.
يمثل نظام "الطيبات" رأيا طبيا مخالفا للسائد، ووصفة كارثية في حق مرضى يعانون من أمراض مزمنة تعتمد علاجاتها على التوازن الدقيق للأدوية والمتابعة الدورية، ولها امتداد عالمي من الادعاء الزائف، فما قدمه العوضي ليس ظاهرة مصرية خالصة، وإنما جزء من نمط إعلامي عالمي يعطي الأولوية للإثارة والمشاهدات على حساب الدقة العلمية والمختبرات.
في الولايات المتحدة صنعت الإعلامية أوبرا وينفري ظاهرة "دكتور أوز" (Mehmet Oz)، وهو جراح قلب من أصول تركية يحمل الجنسية الأمريكية وتحول إلى نجم تلفزيوني، وفند فريق من الباحثين ظاهرة الدكتور "أوز" في المجلة الطبية البريطانية BMJ عام 2014 ضمن دراسة وجدوا فيها أن الأدلة المتاحة لا تدعم سوى 46% من توصياته الصحية، وتناقض 15% منها، فيما لم يعثر على أي دليل لـ39% منها.
الجامع الحقيقي لهذا النوع من الظواهر وهو مناقشة قضايا طبية خلافية ما يمكن تسميته بـ"Just Asking Questions" أنا أسأل فقط، قدمه إعلاميون مثل محمود سعد، أوبرا وينفري وغيرهم، يدعون أنهم يطرحون الأسئلة ويتبرؤون من مسؤولية ما تصنعه أسئلتهم من أثر، غير أن هذا التبرؤ من النتائج يصطدم بحقيقة موضوعية وهي أن الكاميرا تمنح الشرعية، والاستضافة ترسخ المصداقية، والتكرار يحول الادعاء إلى حقيقة عند المشاهدين.
لذا وعند استضافه محتوى علمي القول الفصل في النقد "ما يقدم دون دليل يرفض دون دليل"، والأصل في الإعلاميين الذين يبحثون عن تحقيق الشهرة تطبيق ثلاث طرق مشروعة لاستضافة الرأي المخالف للعلم، وهي المناظرة مع متخصص أمام الضيف يفند ادعاءاته في اللحظة ذاتها، والتحقق باستضافة الضيف ضمن مادة موثقة بالأرقام والشهادات تشرح للمشاهد لماذا كلامه خطأ، والتحذير المؤطر بوضع علامة تحذيرية على الشاشة طوال الحلقة يبين أن الكلام لا يمثل توصية طبية، ولكن كل ما قدم إعلاميا جاء بصيغة احتفالية لا تحقيقا، وكأن الضيف صاحب ثورة في عالم الطب البديل لا موضع للشك.
وفي تحليل التسلسل الزمني لقضية "الطيبات" يكشف لنا عن حجم التضليل الطبي الذي استغل الإعلام للترويج لفكرة خاطئة، والمتابع يلاحظ تراكم الإشارات التحذيرية دون أن تتوقف آلة التضليل الإعلامي، ودون الكشف عن المستفيد الحقيقي لهذا التضليل، وخاصة مع انتشار فيديوهات مختلفة منها حالة طبيبة للأمراض النسائية التي تقول إنها اكتشفت نظاما طبيا يقلص معدلات وفاة الأجنة وعدد العمليات الجراحية القيصرية للنساء وتشجع على الولادات الطبيعية.
الدرس الجوهري الذي تقدمه هذه القضية لمجتمع البحث العلمي والإعلام هو أن التضليل الطبي لا يحتاج إلى مختبر أو مجلة علمية مفترسة تستغل نموذج النشر المفتوح لتحصيل رسوم نشر من الباحثين دون تقديم خدمات التحرير أو المراجعة الرصينة، وقد تضاعف عدد هذه المجلات بشكل مثير في السنوات الأخيرة.
ختاما، من يصنع الضحية برنامج وإعلامي مشهور، وغياب التحقق، ليتحقق حلم المنصة بملايين المشاهدين من الباحثين عن بديل لألمهم، وتشكل هذه القصة وتبعياتها المستمرة أنها ليست مجرد قصة فردية مأساوية؛ وإنما تجسيد حي لما يحدث حين يمنح التضليل الطبي منصة إعلامية مشروعة دون أي ضوابط أو تحقق، ورغم المساحة الواسعة المتاحة للتدريب والتثقيف وسهولة التحقق، ورخاوة السياسات الإعلامية الخاصة بضبط المحتوى المخالف، والتي تطبق بشكل انتقائي، فهذا ما يهدد القيم، حيث يصبح الاحتيال والخداع المتعمد للقيم التي تعتمد عليها التحقيقات الأكاديمية والعلمية لتكون هي الترس الأساسي في التضليل العلمي، وفي هذه البيئات يصبح السلوك غير الأخلاقي مغريا، ولكن العواقب كارثية في انتشار السلوك الاحتيالي والبحث المضلل، وهدر الموارد، وضرب الثقة في المنظومة الطبية البحثية، والأضرار الواقعية على حياه الناس كبيرة جدا لا يمكن تجاهلها.

















0 تعليق