من “علاقات المصعد” إلى رحابة الجوار

صراحة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في قلب مدننا الحديثة، نجد أنفسنا أمام ظاهرة سوسيولوجية لافتة أسميها “علاقة المصعد”؛ ذلك اللقاء العابر الذي يجمعه حيز ضيق وصمت مطبق، حيث نكتفي بعبارات مقتضبة ونمضي، وكأن ضيق الوقت قد سلبنا إنسانيتنا. لقد تحول “الجار” في كثير من الأحيان إلى مجرد رقم شقة أو شبح نلمحه صدفة، مما أدى لضعف الروابط التي كانت تصنع مجتمعاً دافئاً.

حتى في مجتمعنا السعودي، الذي يرتكز في جوهره على التراحم، بدأ هذا الجفاء يتسلل إلى بناياتنا الحديثة. وهنا تبرز أهمية “ثقافة الشكر والامتنان” ليس كبروتوكول اجتماعي فحسب، بل كأداة لترميم الفجوات النفسية. إن كلمة “شكراً” المقرونة بابتسامة صادقة هي “مفتاح اعتراف” بوجود الآخر، وهي الكفيلة بتحويل الصمت العابر إلى بداية معرفة إنسانية عميقة.

ومن المبادرات الملهمة التي تسعى لكسر هذا الجمود، تبرز مبادرة “سابع جار”. وهي فكرة تتجاوز حدود النشاط الاجتماعي لتصبح حراكاً تصحيحياً يُعيد إحياء مفهوم الجوار الأصيل. تُعلمنا هذه المبادرة أن المبادرة بالكلمة الطيبة أو لفتة التقدير البسيطة هي الجسر الذي نعبر فوقه من عزلة “الشقق المغلقة” إلى رحابة “المجتمع المتصل”.

إن التغيير الاجتماعي المنشود لا يتطلب وقتاً طويلاً أو نظريات معقدة، بل يحتاج إلى “وعي سلوكي” يتكرر يومياً. ابتسامة، سلام، وامتنان.. تفاصيل صغيرة لكنها تعيد صياغة المشهد الإنساني في ممراتنا.

 

ختاماً، دعونا لا نجعل حياتنا مجرد “رحلة مصعد” تبدأ وتنتهي بصمت، بل لنجعلها بداية لثقافة تقدير تذيب الجليد، وتقرب القلوب، وتستعيد للمجتمع دفئه المفقود في زحمة التحديث.

 

هل تعتقد أن تسارع نمط الحياة هو السبب الحقيقي وراء هذا الجفاء، أم أننا بحاجة لإعادة تعريف الخصوصية في مجتمعاتنا؟

 

بقلم / د. عبدالله بن قاسم بن دغيّم

متخصص في علم الاجتماع التنمية والتغير

[email protected]

الأثنين 06 أبريل 2026 م 

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا ) 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق